متابعة/ماروك24ميديا
بين أصوات البارود وخيول “التبوريدة” التي ملأت سماء جماعة آيت إيكو احتفالًا بعيد العرش المجيد، سُمع صراخ شاب تحت عجلات جرّار كاد أن يُنهي حياته لولا تدخل الأقدار. حادثة مأساوية لم تكن مجرد خطأ عرضي، بل جرس إنذار قوي يُسلّط الضوء على اختلالات تنظيمية عميقة في مهرجان يُفترض أن يكون مناسبة للاحتفال، لا مدخلًا للفوضى أو مسرحًا للإهمال.
في الوقت الذي يُرفع فيه شعار “الفرجة للجميع”، كان الواقع شيئًا آخر: غياب شبه تام لتدابير السلامة، انعدام لتغطية صحية تُضاهي ما نراه في مهرجانات داخل الإقليم، لا وحدة طبية متنقلة، ولا طاقم إسعاف مؤهل. الضحية نُقل إلى مستشفى الخميسات وسط فوضى تدبير، ليُترك هناك دون تتبع حقيقي أو حس إنساني، وكأن مسؤولية السلامة لا تعني المنظمين.
وهنا يبرز دور رئيس المجلس الجماعي، ومعه ابن عمه الذي أُسندت إليه مهام “مدير المهرجان” بقرار غير مفهوم. فهل كانا على دراية بكل صغيرة وكبيرة في تفاصيل هذا الحدث الذي صار يستقطب الزوار من مختلف ربوع المملكة؟ هل كانا مستعدين للإجابة عن أسئلة الزوار، الصحافيين، والمهتمين بشأن الجماعة، وفقرات المهرجان، وحمولة المناسبة التاريخية؟ المؤسف أن تفاعلهم مع الصحافة والفاعلين المحليين اتسم بالضعف، وفضح غياب تواصل حقيقي ومعرفة دقيقة بما يحدث على أرض الواقع.
في المقابل، لا يمكن فصل هذا الحدث عن الإشكالات الأعمق التي تعاني منها جماعة آيت إيكو. فبعد بحث ميداني مرفوق بتقارير وتدوينات على مواقع التواصل الاجتماعي، وقفنا على حالة مقبرة “الطريوة” المتواجدة داخل تراب الجماعة، والتي تحوّلت إلى غابة موحشة تقطنها الزواحف والحيوانات، تغمرها الأشواك، وتفتقر لأبسط شروط الكرامة. مشهد يعكس فشلًا ذريعًا في إدارة الشأن المحلي حتى فيما يخص الموتى. إنها ليست فقط وصمة عار في جبين المجلس، بل دليل على انعدام الرؤية وتآكل الإحساس بالمسؤولية.
وحتى حين عبّرت إحدى المحسنات عن رغبتها في التبرع بقطعة أرض لتوسعة المقبرة كصدقة جارية، لم نجد أثرًا لتحرك رسمي جاد أو توجيه حقيقي للاستفادة من هذه المبادرة، وكأن الروتين الإداري أجهض كل أمل في إكرام الميت في أرضه.
أما أزمة الماء الصالح للشرب، فهي عنوان دائم لمعاناة الساكنة، حيث ما زال توزيع هذه المادة الحيوية يلفّه الغموض ويسيطر عليه منطق “الزبونية” والمحسوبية. فهل ما زلنا اليوم في زمن “باك صاحبي” في تسيير أبسط حقوق الإنسان؟ أم أن العدالة المجالية لا تزال ترفًا سياسيًا لم يصل بعد إلى آيت إيكو؟
ووسط هذه الصور المتضاربة، تتكرّر الأسئلة:
– هل تحوّلت الاحتفالات الوطنية إلى غطاء لتلميع وجوه انتخابية تستعد لخوض معاركها المقبلة؟
– هل المهرجانات في بعض الجماعات باتت أداة لصرف ميزانيات دون أثر تنموي حقيقي؟
– أين هي الجمعيات المحلية من التنشيط والتأطير، ولماذا يتم استقدام جمعيات من خارج الجماعة؟ أليس الأجدر تمكين الكفاءات المحلية وتكريمها لا تهميشها؟
نقاط لا بد من التوقف عندها وإعادة النظر فيها مستقبلاً:
– فتح نقاش عمومي شفاف، يُشرك الساكنة كفاعلين حقيقيين في تقييم وتنظيم مثل هذه المناسبات.
– إعادة النظر في طريقة اختيار اللجنة المنظمة، وتحديد مسؤوليات كل فرد منها بوضوح.
– الاستفادة من تجارب مهرجانات أخرى داخل الإقليم فيما يخص التغطية الصحية والسلامة العامة.
– تخصيص اعتمادات واضحة لصيانة المقبرة وإطلاق حملة نظافة وترميم تشرف عليها السلطة المحلية والمجتمع المدني.
– تمكين الجمعيات المحلية من لعب أدوارها في التنشيط الفني والثقافي، بدل الاستعانة بجهات غريبة عن نسيج الجماعة.
– القطع مع كل أشكال التسييس والتوظيف الانتخابي لمناسبات وطنية سامية.
– تعزيز ثقافة الحق في الماء، الكرامة، والخدمة العمومية المتساوية لكل ساكنة الجماعة دون استثناء.
فإذا كانت “التبوريدة” رمزًا من رموز الهوية الثقافية، فإن صون الكرامة، الحق في الماء، الدفن الكريم، والحكامة الرشيدة، هي من صلب بناء الدولة الاجتماعية التي نطمح إليها.
بقلم لطيفة بنعاشير- خواطر داميا