الأب المغربي من سلطة الأمس إلى شراكة اليوم بقلم/ سيداتي بيدا في كل سنة، ومع حلول اليوم العالمي للأب الموافق لـ21 يونيو، يعود النقاش حول مكانة الأب داخل الأسرة المغربية، ليس باعتباره مجرد مناسبة للاحتفاء، بل فرصة لقراءة التحولات العميقة التي مست إحدى أكثر المؤسسات الاجتماعية تأثيراً في حياة الأفراد والمجتمعات. لقد عرف الأب المغربي، خلال العقود الأخيرة، انتقالاً لافتاً من نموذج الأب التقليدي الذي ارتبط بالحزم والسلطة المطلقة وإصدار الأوامر، إلى نموذج أكثر انفتاحاً يقوم على الحوار والمرافقة والمشاركة اليومية في تفاصيل الحياة الأسرية. لم يعد الأب مجرد مصدر للنفقة واتخاذ القرار، بل أصبح مطالباً بالحضور العاطفي والتربوي إلى جانب دوره الاقتصادي. هذا التحول لم يأت من فراغ، بل فرضته تغيرات اجتماعية وثقافية متسارعة. فارتفاع مستوى تعليم المرأة، واتساع حضورها في سوق الشغل، وتغير بنية الأسرة المغربية، كلها عوامل دفعت نحو إعادة توزيع الأدوار داخل البيت، وإنهاء الصورة النمطية التي كانت تحصر الأبوة في سلطة القرار فقط. واليوم، لم تعد قوة الأب تقاس بقدرته على فرض الخوف أو التحكم، بل بقدرته على بناء الثقة والتواصل مع أبنائه. فالأب الناجح في القرن الحادي والعشرين هو ذلك الذي يجمع بين الحزم والاحتواء، وبين المسؤولية والقدرة على الإنصات، دون أن يفقد هيبته أو يتخلى عن دوره التوجيهي. غير أن هذا التحول، رغم إيجابياته، يطرح تحديات حقيقية. فبعض الأسر وقعت في فخ الخلط بين القرب العاطفي والتساهل المفرط، وبين الصداقة والتنازل عن المسؤولية التربوية. وهنا تكمن الخطورة؛ لأن غياب التوازن داخل الأسرة قد يفرز أجيالاً تعاني هشاشة نفسية وضعفاً في تحمل المسؤولية، في وقت تزداد فيه الضغوط الاجتماعية والاقتصادية تعقيداً. إن الأبوة ليست لقباً بيولوجياً يُمنح تلقائياً، بل مسؤولية يومية تتطلب الحضور والتوجيه والقدرة على صناعة الأمان النفسي داخل الأسرة. لذلك فإن الرهان الحقيقي اليوم لا يتمثل في استعادة نموذج الأب المتسلط، ولا في تكريس صورة الأب المتساهل، بل في بناء نموذج متوازن يجمع بين السلطة الأخلاقية والدفء الإنساني. وفي زمن تتغير فيه القيم وتتسارع فيه التحولات، يبقى الأب حجر الزاوية في استقرار الأسرة، وصمام الأمان الذي تتشكل على يديه ملامح الأجيال القادمة. فكل مجتمع قوي يبدأ من أسرة متماسكة، وكل أسرة متماسكة تبدأ من أب يدرك أن القيادة ليست سيطرة، بل مسؤولية وقدوة.