الرئيسية / الرئيسية / الملحفة الصحراوية بين منطق الجباية وواجب الحماية الثقافية

الملحفة الصحراوية بين منطق الجباية وواجب الحماية الثقافية

ماروك24ميديا

ابدا ليست الملحفة الصحراوية قطعة قماش عابرة في رفوف الأسواق، ولا منتجًا استهلاكيًا يخضع لمنطق العرض والطلب فحسب، بل هي تعبير كثيف عن هوية ثقافية، وذاكرة جماعية صاغتها المرأة الصحراوية عبر قرون من التراكم الرمزي والاجتماعي. إنها لغة صامتة تختزل الجغرافيا، والمناخ، والعادات، وأنماط العيش، وتُجسد حضور المرأة كفاعل مركزي في حفظ التراث الحسّاني ونقله عبر الأجيال.
من هذا المنطلق، تثير الزيادات الأخيرة في التعرفة الجمركية، كما أقرتها إدارة الجمارك، تساؤلات مشروعة حول مدى استحضار البعد الثقافي في صياغة السياسات المالية. فحين تُدرج الملحفة ضمن خانة “المنسوجات” دون أي تمييز، وتُعامل كسلعة عادية تخضع لمنطق الجباية الصارمة، فإن ذلك يعكس اختزالًا مقلقًا لقيمة رمزية لا تُقاس بالأرقام ولا تُختصر في جداول التعريفات.
إن رفع الرسوم الجمركية، في غياب آليات دعم موازية، لا يضر بالتجار فحسب، بل يضرب في العمق الحلقة الأضعف: المرأة الصحراوية، والحرفيات، وصغيرات التاجرات اللواتي يجدن في الملحفة مورد عيش، ووسيلة تعبير، وجسرًا بين الماضي والحاضر. وهنا تتحول القرارات الإدارية، وإن حسنت نواياها، إلى أدوات ضغط غير معلن على تراث لامادي يفترض أن يكون محل حماية خاصة، لا عبئًا إضافيًا.
كيف يمكن التوفيق بين الخطاب الرسمي حول صون التراث الثقافي، والواقع الذي تُترك فيه رموزه عرضة لارتفاع التكاليف وتقلص القدرة على الاستمرار؟ وكيف يمكن الحديث عن تمكين المرأة، بينما تُثقل كاهلها بسياسات لا تراعي خصوصية أدوارها الثقافية والاجتماعية؟
إن حماية التراث لا تتحقق بالشعارات ولا بالاحتفاء الموسمي، بل بسياسات عمومية ذكية، تُميز بين السلع الاستهلاكية العابرة والمكونات الحضارية ذات القيمة السيادية. فالملحفة، بما تحمله من دلالات، تستحق مقاربة استثنائية، سواء عبر تخفيض الرسوم، أو دعم سلاسل الإنتاج التقليدي، أو إدماجها ضمن برامج الاقتصاد الثقافي.
لسنا أمام دعوة لرفض الإصلاحات المالية، بل أمام نداء لتصويبها، حتى لا تتحول إلى عامل تآكل للهوية، ولا إلى سبب جديد لتهميش المرأة الصحراوية، الحارسة الأولى للذاكرة الجماعية. فالهوية لا تُفرض عليها ضريبة، والتراث لا يُقاس بميزان الجمارك، بل بقدرته على الصمود في وجه منطق الأرقام الجافة.بقلم: سيداتي بيدا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *