متابعة/ماروك24ميديا
بقلم: لطيفة بنعاشير
في زمنٍ تتغنّى فيه الدولة المغربية بخطابات تحسين الإدارة وتجويد الخدمات العمومية، لا يزال مشهد المواطن الذي يُمنع من حقه في الحصول على وصْل الإيداع عند وضعه لطلب أو شكاية، يتكرر في عدد من الإدارات، خاصة بإقليم الخميسات. وكأن حقَّ التوصل بإثبات قانوني لما تم تسليمه بات رفاهية لا يستحقها الجميع، أو امتيازًا يُمنح حسب الهوى والوجهة.
ليس سرًّا أن المواطن، عندما يتوجه إلى مؤسسة عمومية ويضع طلبًا أو شكاية، من حقه وفقًا للقوانين والمساطر الجاري بها العمل، أن يُسلَّم وصلاً يثبت وضعه لهذا الملف أو الشكاية، يتضمن التاريخ، رقم الملف، واسم المصلحة المعنية. هذا الوصل ليس مجرد ورقة، بل هو سند قانوني يحمي المواطن ويثبت مسار التعامل الإداري.
لكن، في الواقع المعاش، خاصة بإقليم الخميسات، نجد أن العديد من الإدارات وحتى بعض المصالح الجهوية يرفضون منح المواطنين هذا الوصل دون مبرر قانوني واضح. بل يتم الاكتفاء بعبارات فضفاضة من قبيل: “راها غادي توصلك”، أو “ما عندناش شي صيغة ديال الوصل”، أو حتى يُطلب من المواطن أن “يخلي الورقة ويمشي”.
هذه السلوكيات لا تقتصر فقط على الإدارات المحلية، بل حتى على مستوى ولاية جهة الرباط سلا القنيطرة، حيث تم تسجيل حالات مماثلة، مما يجعلنا نتساءل: هل هي تعليمات غير مكتوبة، أم مجرد استهتار بمبدأ الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة؟
وما يُثير الاستغراب أكثر، أن مثل هذه التصرفات تضرب عرض الحائط توجيهات وخطابات صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، الذي ما فتئ يؤكد في كل مناسبة على ضرورة تجويد الخدمات العمومية، وتكريس الثقة بين المواطن والمؤسسات. فهل هذا هو الإصلاح الذي دعا إليه جلالته؟ هل يُعقل أن تُقابل الأوامر الملكية بالاستخفاف والتجاهل؟ وهل هكذا نُجسّد المفهوم الجديد للسلطة؟
إننا أمام مشكل لا يقتصر على خرق شكلي، بل على نمط إداري يعكس غياب الإرادة الفعلية في احترام المواطن وحقوقه. فأيّ معنى للعدالة الإدارية إن لم يُحترم الحد الأدنى من الإجراءات؟ وأيّ جدوى من مشاريع الرقمنة والتحديث، إذا كان الموظف لا يزال يتعامل مع الطلبات بمنطق شخصي؟
أين هي آليات التتبع والمراقبة؟ ومن يحاسب المسؤولين الذين يساهمون في تعطيل ثقة المواطنين في مؤسساتهم؟
نداءنا إلى جميع المسؤولين، محليين وجهويين ومركزيين، أن يتحركوا لوقف هذا العبث الإداري. فكرامة المواطن لا تبدأ بمشاريع ضخمة، بل بورقة صغيرة اسمها “وصْل إيداع”.
فهل نحتاج إلى تعليمات جديدة لتطبيق القانون؟
أم أننا نحتاج فقط إلى ضمير حي ومسؤول يفهم أن خدمة المواطن ليست منّة، بل واجب دستوري؟
وهل سيتحرك من يهمهم الأمر قبل أن تفقد الإدارة ما تبقى لها من ثقة؟