فاس تحتاج إلى أن تستفيق من سباتها… المواطن أول من يحارب تجار الانتخابات
بقلم: سوجاع أحمد
لم تعد مدينة فاس بحاجة إلى مزيد من الانتظار، بقدر ما أصبحت في حاجة إلى وقفة حقيقية مع الذات، وإلى مواطن واعٍ يدرك أن مستقبل مدينته لا يُصنع داخل مكاتب الأحزاب، ولا في صالونات التحالفات السياسية، وإنما يُصنع أولاً داخل صناديق الاقتراع.
فاس، المدينة العريقة بتاريخها ورمزيتها، تحتاج اليوم إلى أن تستفيق من سباتها السياسي، وأن تفتح نقاشاً صريحاً حول ظاهرة تجار الانتخابات، وسماسرة الأصوات، والمتملقين، ومن يحولون العمل السياسي من خدمة عمومية إلى وسيلة لتحقيق المصالح الشخصية.
لكن مواجهة هذه الظاهرة ليست مسؤولية الأحزاب والسلطات وحدها، بل هي قبل كل شيء مسؤولية المواطن الفاسي نفسه.
فحين يقبل المواطن أن يُستغل صوته مقابل المال أو الوعود أو المصالح الضيقة، فإنه، من حيث يدري أو لا يدري، يمنح الشرعية لمن قد لا يكون مؤهلاً لتدبير الشأن العام. وحين يقرر المواطن أن صوته أمانة، وأن اختياره يجب أن يكون مبنياً على الكفاءة والنزاهة والقدرة على خدمة المدينة، فإنه يقطع الطريق على الكثير ممن جعلوا من الانتخابات موسماً للمتاجرة بالأصوات.
صوت المواطن هو السلاح الحقيقي
اليوم، أصبح المواطن الفاسي مطالباً أكثر من أي وقت مضى بأن يعبر عن موقفه، وأن يقول كلمته، وأن يرفض أن يتحول صوته إلى سلعة انتخابية.
فالانتخابات لا تنتهي بمجرد إعلان النتائج، وإنما تبدأ بعدها مسؤولية أكبر: مساءلة من تم التصويت عليهم ومراقبة أدائهم ومحاسبتهم سياسياً وأخلاقياً في الاستحقاقات المقبلة.
ومن هنا، فإن المواطن الذي يشتكي من تردي الخدمات، أو من ضعف التدبير، أو من الصراعات داخل المجالس المنتخبة، عليه أن يسأل نفسه أيضاً: من اختار؟ ولماذا اختار؟ وهل تابع أداء من منحه صوته؟
عندما تتحول الأغلبية إلى قوة لإقصاء المعارضة
ومن المؤسف أن يكشف الواقع السياسي المحلي أحياناً عن حالات لمستشارين دخلوا المجالس المنتخبة وهم يحملون رغبة في العمل والاجتهاد والدفاع عن مصالح الساكنة، لكنهم وجدوا أنفسهم أمام عراقيل وتضييق سياسي، خصوصاً عندما يكون موقفهم مخالفاً لتوجه الأغلبية.
إن المعارضة داخل المجالس المنتخبة ليست خصماً يجب محاصرته، بل هي جزء أساسي من الديمقراطية المحلية.
فوجود مستشارين يراقبون، وينتقدون، ويطرحون الأسئلة، ويقترحون البدائل، لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره تهديداً للأغلبية، وإنما باعتباره عاملاً يساعد على تصحيح الاختلالات وتحسين التدبير.
أما أن تتحول الخلافات السياسية إلى وسيلة لإضعاف المعارضين أو التضييق عليهم، فإن الخاسر في النهاية ليس المستشار المعارض وحده، وإنما المواطن الذي صوّت له ومنحه ثقته.
وقد أصبح الرأي العام يتابع، بين الفينة والأخرى، حالات لمستشارين انتهى بهم الأمر إلى مغادرة مواقعهم، سواء عبر الإقالة أو الاستقالة، في ظروف تطرح أسئلة سياسية وتدبيرية تستحق النقاش الهادئ والمسؤول.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: إلى متى سيظل المواطن الفاسي يتنقل بين هذا الحزب أو ذاك، وبين هذه الوعود وتلك الشعارات، بينما تبقى المشاكل الحقيقية للمدينة قائمة؟
السياسة المحلية يفترض أن تكون قبل كل شيء خدمة للمواطن.
المواطن لا يريد أن يعرف فقط من يتحالف مع من، ومن يختلف مع من، ومن حصل على هذه المسؤولية أو تلك؛ بل يريد أن يعرف ماذا تحقق على أرض الواقع.
يريد مدينة نظيفة، وطرقاً أفضل، ونقلاً عمومياً في مستوى تطلعات السكان، وخدمات إدارية فعالة، ومجالس منتخبة تشتغل بشفافية، ومسؤولين يشعرون بأنهم خدام للشأن العام وليسوا أصحاب امتيازات سياسية.
فاس ليست ملكاً للأحزاب
فاس أكبر من أن تختزل في حسابات انتخابية ضيقة، وأكبر من أن تصبح رهينة للصراعات بين الأغلبية والمعارضة.
الأحزاب تتغير، والتحالفات تتبدل، والمستشارون يأتون ويغادرون، لكن فاس تبقى، والمواطن هو من يدفع ثمن أي فشل في تدبيرها.
ولهذا، فإن المرحلة المقبلة تتطلب وعياً انتخابياً جديداً، لا يقوم على القرابة أو الولاء أو المصالح الشخصية، وإنما على معيار بسيط وواضح:
من يستطيع أن يخدم فاس، فليتقدم لخدمة فاس. ومن يثبت عكس ذلك، فالمواطن قادر على محاسبته بصوته.
لقد حان الوقت لكي يفهم الجميع أن محاربة تجار الانتخابات لا تبدأ يوم الاقتراع، بل تبدأ قبل ذلك بكثير، من خلال رفض المال الانتخابي، ورفض شراء الذمم، ورفض تحويل السياسة إلى سوق للمصالح.
فإذا أراد المواطن الفاسي أن تتغير مدينته، فعليه أن يبدأ بنفسه.
إن صوته هو قوته، ووعيه هو سلاحه، ومشاركته هي الطريق إلى التغيير.
أما الاستمرار في الصمت، ثم انتظار نتائج مختلفة، فلن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج نفس الواقع.
فاس تحتاج إلى أن تستفيق… والمفتاح الأول لهذه اليقظة يوجد في يد المواطن الفاسي نفسه.