متابعة/ماروك24مديا
في مدينة تسمى عَجَب، حيث تسكن الغرابة في تفاصيل العيش، وحيث تختلط السلطة بالهوى، والحق بالهامش، كانت هناك فتاة تناضل بصوت خافت، تحاول أن تجعل من عملها ومبادراتها نورا يتسلل من شقوق الجدران الباردة. لم تطلب مالا، ولا جاها، فقط كانت تكتب، تتطوع، وتصرخ إنسانيتها في وجه الخذلان.
تعاملت بعض الأسماء مع قضيتها كما لو كانت ملفا إداريا قابلا للإقفال، أو مجرد حالة خاصة تستغل لتقارير ترقي أو لدغدغة ضمائر المؤسسات. واختبأ خلف عطفهم الوهمي مسؤول أو أكثر ممن لا يريدون لصوتها أن يصل إلى النخبة أو إلى الحقيقة، بل أرادوه أن يكتم خلف الجدران أو يغرق في غياهب الملفات المنسية.
ثم كان ذلك الذي ادعى النصح، وقال لها ببرود قاتل:
– لم لا تنهي الأمر؟ ألست متعبة؟ انتحري، وارتاحي.
قالها كأن الحياة رخيصة، كأن وجودها عبء على إدارتهم، وكأن الخلاص مشروع إغلاق لصفحة لا تروق لهم.
ولم تكن تلك أول صفعة. فقد تاجر بعضهم بحالتها، بعثراتها، بآلامها… واستغلت لتوقيعات، لوثائق، لوعود كاذبة. نقلت تعسفيا، حوصرت، عوقبت بصمت، وكأنها من طالبت بامتيازات لا بحقوقها المشروعة. في كل مرة كانت تحاول النهوض، يستقبل نهوضها بالتشكيك، وترمى بألسنة التخوين والتقليل، فقط لأنها رفضت أن تصمت أو أن تركع.
لكن الخوف لم يغب. كانت تحلم بكرامة، تخاف المصير الذي لقيه ذاك الشاب الذي صعد برجا في احتجاج أخير… وخرج ملفوفا بخيط في عنقه. لم يكن حبل موت فقط، بل خيط صمت طويل… وخوفها الأكبر لم يكن الموت، بل أن تموت بلا أن تجد أحدا يسند والديها، أو يسأل عنها. أن تنسى كما نسي هو.
ثم جاء المسؤول الذي كان مختلفا. بملامح جادة، وبصبر قليل على الظلم، فتح الباب. لا بأمر ولا ببلاغ، بل باستماع نادر. حكى لها كيف أنه حتى في عجب، هناك من لا يرضى للباطل أن يستقيم. وكان في كلامه شق ضوء، لا وعدا.
حينها كتبت قصيدة:
أنا تيسليت ونزار
ابنة الريح إن عصفت
وشعلة نار إن خمدت
حتى وإن جفت أرضي
أسويها بمطري
وإن خنقوا صوتي
سأغني بصمتي
وإن دفنوا قضيتي
سأنهض في وجوههم
قصيدة لا تموت
أنا لست ضحية
أنا الشاهدة
أنا المرأة التي لم تنتحر
لكي تبقى الحكاية حية
في مدينة عجب، كانت الحكاية وستظل مرآة لمن لا يريدون أن يروا. لكنها اليوم وصلت، كتبت، وانطلقت، لأن فتاة اسمها “تيسليت”، اختارت أن تروي، لا أن تدفن.
– هل ينتهي هذا الألم؟
لا نعلم… لكن ما نعرفه، أن بعض الأصوات لا تقبر، بل تزرع كقصائد في قلوب النائمين.