الرئيسية / اخبار جهوية / الشباب المغربي وانتظارات الحكومة الجديدة: من وعود الإصلاح إلى رهانات المستقبل

الشباب المغربي وانتظارات الحكومة الجديدة: من وعود الإصلاح إلى رهانات المستقبل

الشباب المغربي وانتظارات الحكومة الجديدة: من وعود الإصلاح إلى رهانات المستقبل

 

بقلم: يونس عميمي

 

يعيش المغرب اليوم مرحلة دقيقة ومفصلية، تتسم بتسارع التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتنامي انتظارات المواطنين بشأن مستقبل البلاد، في ظل التحديات المرتبطة بالتشغيل، والتعليم، والصحة، والقدرة الشرائية، وتكافؤ الفرص، وتعزيز الثقة في المؤسسات. وفي قلب هذه التحولات، يظل الشباب المغربي الفئة الأكثر تطلعاً إلى التغيير، والأكثر حاجة إلى سياسات عمومية قادرة على تحويل الطموحات إلى فرص حقيقية.

 

إن الحديث عن انتظارات الشباب من الحكومة الجديدة لا ينبغي أن يظل محصوراً في الشعارات والوعود الانتخابية، بل يجب أن ينطلق من قراءة واقعية لمتطلبات المرحلة، ومن إدراك أن الشباب ليس مجرد فئة اجتماعية تنتظر الحلول، وإنما قوة اقتراح وإنتاج وابتكار، وشريك أساسي في بناء مغرب المستقبل.

 

التشغيل والكرامة.. الأولوية التي لا تحتمل التأجيل

 

يأتي التشغيل في مقدمة انتظارات الشباب المغربي، باعتباره المدخل الأساسي للاستقلالية المادية وتحقيق الذات والاندماج الاجتماعي. فالحصول على شهادة جامعية أو تكوين مهني لا ينبغي أن يتحول إلى رحلة طويلة من الانتظار والإحباط، بل يجب أن يكون بداية لمسار مهني واضح يضمن الكرامة والاستقرار.

 

ومن هذا المنطلق، تنتظر فئات واسعة من الشباب أن تتبنى الحكومة مقاربة جديدة في مجال التشغيل، تقوم على دعم المقاولات الصغرى والمتوسطة، وتشجيع الاستثمار المنتج، وتحفيز المبادرة المقاولاتية، وتطوير التكوين المهني بما يتلاءم مع حاجيات سوق الشغل. كما أن توفير فرص الشغل في العالم القروي والمناطق الأقل استفادة من الاستثمارات يظل شرطاً أساسياً لتحقيق العدالة المجالية والحد من الهجرة نحو المدن الكبرى.

 

ولا يتعلق الأمر فقط بإحداث مناصب الشغل، بل أيضاً بضمان جودتها واستقرارها، واحترام الحقوق الاجتماعية، ومحاربة الهشاشة في العمل، حتى يشعر الشباب بأن الاجتهاد والكفاءة طريقان حقيقيان للارتقاء الاجتماعي.

 

التعليم والصحة.. أساس بناء الثقة في المستقبل

 

لا يمكن الحديث عن تنمية مستدامة دون تعليم عمومي ذي جودة، ومنظومة صحية تستجيب لحاجيات المواطنين. لذلك، فإن الشباب ينتظرون إصلاحات ملموسة تجعل المدرسة والجامعة فضاءين للمعرفة والابتكار وتكافؤ الفرص، وتربط التكوين بمتطلبات الاقتصاد الوطني والتحولات الرقمية والتكنولوجية.

 

كما أن تعزيز المنظومة الصحية، وتحسين ظروف الولوج إلى العلاج، وتقليص الفوارق بين المدن والقرى، وتوفير الموارد البشرية والتجهيزات اللازمة، كلها خطوات من شأنها أن تعزز شعور المواطنين بالأمان الاجتماعي والثقة في المؤسسات.

 

إن الاستثمار في الإنسان ليس عبئاً على ميزانية الدولة، بل هو استثمار استراتيجي في مستقبل المغرب وقدرته على مواجهة التحديات.

 

التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي.. فرص جديدة أمام الشباب

 

يشهد العالم تحولات متسارعة بفعل الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي، وهي تحولات تفرض على المغرب تسريع وتيرة تحديث الإدارة، وتطوير الخدمات العمومية، وتشجيع الابتكار، وفتح آفاق جديدة أمام الكفاءات الشابة.

 

وفي هذا السياق، تنتظر الأجيال الجديدة سياسة حكومية واضحة لدعم المقاولات الناشئة، وتطوير المهارات الرقمية، وتشجيع البحث العلمي، وتسهيل ولوج الشباب إلى التمويل والمواكبة والتكوين. كما ينبغي أن يكون التحول الرقمي وسيلة لتبسيط المساطر الإدارية ومحاربة البيروقراطية، لا مجرد واجهة تقنية لا تنعكس على حياة المواطن اليومية.

 

إن الشباب المغربي قادر على المنافسة والإبداع، متى توفرت له البيئة الملائمة والثقة اللازمة والفرص العادلة.

 

المشاركة السياسية والثقافية.. الشباب شريك في القرار

 

من بين أهم الرهانات المطروحة أمام الحكومة الجديدة إعادة بناء جسور الثقة بين الشباب والمؤسسات، من خلال تعزيز المشاركة السياسية والمدنية، وفتح المجال أمام الكفاءات الشابة لتحمل المسؤولية والمساهمة في صياغة السياسات العمومية.

 

فالشباب لا يحتاج فقط إلى من يتحدث باسمه، بل يحتاج إلى فضاءات حقيقية للتعبير والمشاركة والتأثير في القرار. ويقتضي ذلك تطوير آليات الحوار مع الهيئات الشبابية، والجمعيات، والطلبة، والفاعلين المدنيين، والاستماع إلى مقترحاتهم قبل اتخاذ القرارات التي تمس مستقبلهم.

 

وفي هذا الإطار، تكتسي دور الشباب ومؤسسات التنشيط الثقافي والرياضي والتربوي أهمية خاصة، باعتبارها فضاءات للتأطير والإبداع واكتشاف المواهب وترسيخ قيم المواطنة والتطوع والتضامن. ومن ثم، فإن دعم هذه المؤسسات وتأهيل بنياتها وتوفير الموارد اللازمة لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره نفقة ثانوية، بل باعتباره استثماراً في الرأسمال البشري والاجتماعي للمملكة.

 

القدرة الشرائية والعدالة الاجتماعية.. الإصلاح الذي يلمسه المواطن

 

إن نجاح أي برنامج حكومي لا يقاس فقط بمؤشرات النمو والاستثمار، بل كذلك بمدى انعكاسه على الحياة اليومية للأسر المغربية. فارتفاع تكاليف المعيشة، وصعوبة الولوج إلى السكن، وتفاوت فرص الاستفادة من الخدمات الأساسية، كلها عوامل تجعل المواطن ينتظر إجراءات عملية تعيد التوازن بين الدخل والنفقات، وتحمي الفئات الهشة والطبقة المتوسطة.

 

كما أن تعزيز العدالة المجالية يقتضي توزيعاً أكثر إنصافاً للاستثمارات والمشاريع والخدمات، حتى لا تظل فرص التنمية مركزة في مناطق محددة دون غيرها. فالمغرب الذي نطمح إليه هو مغرب الفرص المتكافئة، حيث لا يحدد مكان الميلاد أو الوضع الاجتماعي سقف طموحات الإنسان.

 

مغرب يتطور على جميع المستويات.. مسؤوليات متجددة وانتظارات متزايدة

 

إن التطورات التي يعرفها المغرب على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والمؤسساتية، وما يرافقها من تحولات إقليمية ودولية، تفرض استحضار أهمية الاستقرار والإصلاح في الآن نفسه. فالتقدم في البنيات التحتية، وتطوير الأوراش الاستراتيجية، وتعزيز مكانة المملكة إقليمياً ودولياً، كلها مكتسبات ينبغي تثمينها، مع مواصلة العمل على معالجة الاختلالات التي ما زالت تؤثر في الحياة اليومية للمواطنين.

 

ويظل التحدي الأساسي هو تحويل المكتسبات الوطنية إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في المدرسة والمستشفى والإدارة ومكان العمل. كما أن الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، ومحاربة الفساد، وتبسيط المساطر، وترسيخ الشفافية، تشكل عناصر ضرورية لضمان نجاعة السياسات العمومية واستعادة الثقة في العمل السياسي والمؤسساتي.

 

فالمغرب يمتلك طاقات بشرية واعدة، وشباباً متعلماً ومنفتحاً على العالم، وإمكانات اقتصادية وثقافية مهمة؛ وما يحتاج إليه اليوم هو تعزيز الالتقائية بين البرامج الحكومية، وتسريع تنفيذ الإصلاحات، وتقييم النتائج بموضوعية، وتصحيح الاختلالات كلما اقتضت الضرورة ذلك.

 

حكومة جديدة بعقلية جديدة

 

إن انتظارات الشباب من الحكومة الجديدة تتجاوز حدود التدبير اليومي للقطاعات، لتشمل إرساء نموذج تنموي أكثر إنصافاً وفعالية، يمنح الأولوية للإنسان، ويجعل من الكفاءة والاستحقاق أساساً لتحمل المسؤولية، ومن التواصل والإنصات مدخلاً لصناعة القرار.

 

فالشباب لا ينتظرون حلولاً سحرية، وإنما ينتظرون إرادة سياسية واضحة، وبرامج قابلة للتنفيذ، وآجالاً محددة، ومؤشرات شفافة لقياس النتائج. كما ينتظرون أن تكون العلاقة بين الحكومة والمواطن مبنية على الصراحة والمسؤولية، بعيداً عن المبالغة في الوعود أو الاكتفاء بتبرير الإخفاقات.

 

إن الرهان الحقيقي ليس فقط في إقناع الشباب بجدوى السياسات الحكومية، بل في تمكينهم من لمس آثارها في حياتهم اليومية، ومنحهم الأمل في مستقبل يمكنهم المساهمة في صنعه داخل وطنهم.

 

خلاصة القول، إن الشباب المغربي ليسوا مجرد عنوان في البرامج الحكومية، بل هم جوهر التنمية ووقودها الحقيقي. وكل إصلاح لا يضع تطلعاتهم في صلب أولوياته يظل إصلاحاً ناقص الأثر. لذلك، فإن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من منطق التدبير إلى منطق الإنجاز، ومن الوعود إلى النتائج، ومن التعامل مع الشباب باعتبارهم مستفيدين من السياسات العمومية إلى اعتبارهم شركاء في إعدادها وتنفيذها وتقييمها.

 

فالمغرب الذي نريده جميعاً هو مغرب يثق فيه الشباب بمؤسساته، ويجدون فيه فرصاً عادلة للعمل والعيش الكريم والإبداع والمشاركة. مغرب لا يطلب من أبنائه الانتظار إلى ما لا نهاية، بل يمنحهم أسباب البقاء والأمل والمساهمة في بناء المستقبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *