الرئيسية / الرئيسية / المغرب وإفريقيا: هندسة النفوذ عبر الدبلوماسية الدينية

المغرب وإفريقيا: هندسة النفوذ عبر الدبلوماسية الدينية

المغرب وإفريقيا: هندسة النفوذ عبر الدبلوماسية الدينية

 

الحسيمة- بتاريخ 13-أكتوبر- 2026 / -المملكة المغربية

 

زكرياء بن محمد الأزهر الريسوني العلمي الحسني،

إطار إداري / وباحث في العلوم الشرعية والدبلوماسية الدينية والعلاقات المغربية الإفريقية،

خريج كلية أصول الدين بجامعة القرويين، تطوان.

Email: raissounihab⁶ouss@gmail.com

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(ملخص المقال)

⁷ تتبوأ القارة الإفريقية موقعًا متقدمًا في إعادة تشكّل موازين القوى الدولية، في ظل احتدام التنافس الاستراتيجي على مواردها وممراتها الحيوية، وتصاعد الرهان على شراكاتها الإقليمية بوصفها محددًا متناميًا للنفوذ وإعادة رسم المصالح الدولية.

وفي هذا السياق، تبرز الدبلوماسية الدينية المغربية بوصفها أحد مكونات الحضور الإفريقي للمملكة، مستندةً إلى مؤسسة إمارة المؤمنين، والرؤية الملكية للتعاون جنوب–جنوب، وشبكة من المؤسسات والمبادرات العلمية والدينية والتكوينية.

يتناول المقال العلاقة بين الرصيد التاريخي والروحي للمغرب وإمكانات توظيفه في تعزيز مكانته في إفريقيا، من خلال تحليل أدوار المؤسسات الدينية والعلمية، وشبكات العلماء، وبرامج تكوين الأئمة، في بناء علاقات مؤسسية وشراكات مستدامة. وينطلق من أطروحة مفادها أن الروابط الروحية، على أهميتها، لا تتحول تلقائيًا إلى نفوذ جيوسياسي، بل تتوقف فاعليتها على المصداقية، واحترام سيادة الشركاء وأولوياتهم، واستدامة التعاون وتحقيق المنافع المتبادلة.

كما يقترح المقال مسارًا تدريجيًا لتقويم الأثر الاستراتيجي للدبلوماسية الدينية، يقوم على التمييز بين حجم الأنشطة والنتائج المتحققة والآثار القابلة للإثبات. ويخلص إلى أن تعزيز مكانة المغرب في إفريقيا يقتضي وصل الرؤية الملكية بالتنفيذ المؤسسي والتقويم الموضوعي، بما يجعل الدبلوماسية الدينية رافدًا مكمّلًا للسياسة الإفريقية للمملكة، ويسهم في بناء شراكات أكثر رسوخًا وتوازنًا.

 

الكلمات المفتاحية: الدينية؛ المغرب وإفريقيا؛ إمارة المؤمنين؛ الأمن الروحي؛ السياسة الخارجية المغربية؛ التعاون جنوب–جنوب؛ النفوذ الاستراتيجي؛ تقويم الأثر.

 

1. من الأمن الروحي إلى بناء المكانة الجيوسياسية:

لم تعد إفريقيا، في سياق التحولات المتسارعة للنظام الدولي، مجرد مجال للتنافس على الموارد والأسواق وممرات المبادلات، بل أضحت فضاءً تتقاطع فيه المصالح الاقتصادية والرهانات الأمنية مع اعتبارات الشرعية والمصداقية والقدرة على بناء الشراكات المستدامة.

وفي هذا السياق، لم تعد مكانة الدول في محيطها الإفريقي تُقاس بما تمتلكه من أدوات القوة المادية وحدها، بل تتصل أيضًا بما تحوزه من أرصدة تاريخية وثقافية وروحية، وبقدرتها على تحويل هذه الأرصدة إلى علاقات ثقة وتعاون، وإلى حضور مؤسسي يسهم في بناء الشراكات وتوسيع مجالات التأثير.

ومن ثم، فإن فهم موازين النفوذ في القارة يقتضي النظر في الموارد غير المادية، واستجلاء الشروط التي تنتقل بها من رصيد رمزي إلى إمكان فعلي للإسهام في تشكيل العلاقات الإقليمية .

وفي هذا الإطار، تبرز التجربة المغربية بما تنطوي عليه من تداخل بين المرجعية الدينية للمملكة، وامتدادها التاريخي والروحي في إفريقيا، ومؤسسات التأطير والتكوين العلمي، ومسارات التعاون الثنائي ومتعدد الأطراف. وقد تجسّد هذا التوجه في مؤسسات ومبادرات ترمي إلى توثيق الصلات العلمية والدينية وتعزيز التعاون مع البلدان الإفريقية، وفي مقدمتها مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة ومعهد محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات . غير أن الدلالة الاستراتيجية لهذا الحضور لا تُقاس بكثافة المبادرات أو اتساع نطاق المؤسسات وحدهما؛ إذ تظل قيمة الرصيد الروحي مرتبطة بقدرته على الإسهام في بناء الثقة، وتطوير التعاون، وترسيخ شراكات تستجيب لأولويات الأطراف المعنية، وبما يمكن التحقق منه من نتائج في العلاقات المغربية الإفريقية.

ومن هنا تتحدد المسألة المركزية التي يعالجها المقال: كيف يمكن للمغرب أن يحوّل رصيده التاريخي والروحي، وما يرتبط به من أمن روحي وروابط علمية ودينية، إلى مورد يسهم في تعزيز مكانته الجيوسياسية في إفريقيا؟ لا يتعلق الأمر بمجرد إدراج الدين ضمن أدوات السياسة الخارجية، ولا باختزال الدبلوماسية الدينية في وظيفة دعائية أو في مفهوم عام للقوة الناعمة، بل بفهم الآليات التي تصل بين المرجعية الروحية والفعل الاستراتيجي: كيف تسهم المرجعية في بناء المصداقية، وكيف تهيئ المصداقية شروط الثقة، وكيف يمكن للثقة أن تدعم شبكات تعاون مؤسسية قابلة للاستمرار، ثم بأي شروط يمكن لهذه الشبكات أن توسع مجالات الشراكة وتعزز الحضور المغربي في القارة .

ولا يستقيم تحليل هذه العلاقة بافتراض أن النفوذ ثمرة تلقائية للحضور الديني؛ فالشرعية الرمزية لا تستلزم بذاتها مكاسب سياسية، كما أن تعدد الاتفاقيات والبرامج والمبادرات لا يثبت، بمجرده، تحقق أثر جيوسياسي. لذلك يقتضي التحليل التمييز بين النشاط المؤسسي ونتائجه، وبين بناء الروابط الروحية وتحولها إلى علاقات تعاون مستدامة، مع مراعاة أثر المصالح الاقتصادية والاعتبارات الأمنية وأولويات الشركاء الأفارقة والتحولات السياسية والتنافس الدولي في تشكيل مآلات هذا المسار. وتنطلق أطروحة المقال من أن الرصيد الروحي المغربي يمكن أن يسهم في تعزيز المكانة الإقليمية للمملكة متى تُرجم إلى ثقة مؤسسية وشراكات متكافئة، وارتبط باحتياجات الشركاء الأفارقة ومصالحهم المشروعة؛ على أن يظل تقدير أثره مرتبطًا بشروط التنفيذ والسياق، وخاضعًا للتقويم في ضوء النتائج الفعلية .

وعليه، فإن دراسة الدبلوماسية الدينية المغربية من زاوية هندسة النفوذ تقتضي تجاوز وصف أدوات الحضور إلى تحليل شروط التأثير، والانتقال من جرد المؤسسات والمبادرات إلى استجلاء ما تنتجه من علاقات ونتائج، وما تتيحه من إمكانات استراتيجية في محيط إفريقي تتعدد فيه مصادر القوة وتتغير فيه موازين الشراكة. فالمسألة ليست في أن يحضر المغرب روحيًا في إفريقيا فحسب، وإنما في الكيفية التي يمكن بها لهذا الحضور أن يعزز الثقة والتعاون والمكانة، من غير أن يفقد العمل الديني وظيفته العلمية والتربوية، أو تختزل قيمته الروحية في مجرد أداة نفعية. ومن هذا التوازن بين المرجعية والمصلحة، وبين المصداقية والأثر، ينطلق البحث في المؤسسات والآليات التي تحمل الدبلوماسية الدينية المغربية، وفي شروط فاعليتها وحدودها، وآفاق تطويرها بما يخدم شراكات إفريقية أكثر رسوخًا وتوازنًا واستدامة.

2. من الرصيد الروحي إلى النفوذ الاستراتيجي: آلية التحويل:

لا تتحول المرجعية الروحية إلى نفوذ جيوسياسي بمجرد حضورها في المجال الإقليمي، وإنما عبر مسار تتفاعل فيه الشرعية والمصداقية والثقة والمصلحة المتبادلة. فالشرعية الدينية، متى استندت إلى مرجعية معتبرة وممارسة مؤسسية منضبطة، أمكن أن تسهم في ترسيخ المصداقية؛ وهذه، حين تقترن بالاستمرارية واحترام خصوصيات الشركاء، تهيئ شروط الثقة.

ولا تكتمل فاعلية هذه الأخيرة إلا بوجود قنوات مؤسسية تحفظها وتطورها، وتتيح ترجمتها إلى شبكات تعاون تتجاوز الاتصال الرمزي إلى التكوين والتنسيق وتبادل الخبرات وإنجاز المبادرات المشتركة.

وتكمن القيمة الاستراتيجية لهذا المسار في إمكان توظيف المغرب رصيده الروحي في بناء علاقات أكثر رسوخًا مع شركائه الأفارقة، من غير افتراض أن الروابط الدينية وحدها كافية لتوجيه الخيارات السياسية أو حسم التنافس الإقليمي، فالدول الإفريقية ليست مجالًا سلبيًا لتلقي المبادرات، بل شركاء فاعلون يمتلكون أولوياتهم ومصالحهم وتقديراتهم المستقلة.

وفي ضوء ذلك، تتوقف قابلية الرصيد الروحي للتحول إلى مورد مؤثر على مدى اتصاله بحاجاتهم الفعلية، واحترام سيادتهم وخصوصياتهم، وقدرته على الإسهام في مبادرات عملية تحقق منفعة متبادلة .

وانطلاقًا من هذا المنظور، لا يُقاس نجاح الدبلوماسية الدينية بعدد المؤسسات أو البرامج أو المستفيدين وحده، وإنما بما تسفر عنه هذه الأنشطة من نتائج قابلة للتقويم، من قبيل استدامة الشراكات، وجودة التعاون العلمي والتأطيري، وتبادل الخبرات، وتعزيز الثقة بين المؤسسات والمجتمعات، والإسهام في تهيئة بيئة أكثر ملاءمة لتطوير التعاون المغربي الإفريقي في مجالاته المختلفة. ويقتضي هذا التقويم التمييز بين النتائج التي يمكن إسنادها إلى الدبلوماسية الدينية، وتلك التي تنشأ عن تفاعلها مع عوامل أخرى، تشمل التعاون الاقتصادي والأمني، والروابط التاريخية، والتحولات السياسية والإقليمية.

وعلى هذا الأساس، فإن تحويل الرصيد الروحي إلى قيمة استراتيجية ليس انتقالًا آليًا من الدين إلى السياسة، بل عملية مشروطة تتطلب تكامل المرجعية مع الكفاءة المؤسسية، والثقة مع المنفعة المتبادلة، والحضور الرمزي مع النتائج الملموسة.

وكلما أمكن توثيق هذه الصلات وتقويمها على أساس مؤشرات واضحة، أمكن تقدير الإسهام الفعلي للدبلوماسية الدينية في تعزيز مكانة المغرب الإفريقية، والتمييز بين ما تتيحه من إمكانات وما تحقق منها في الواقع.

3. المؤسسات المغربية: من تأطير الروابط الروحية إلى بناء الشراكات:

تتجلى إحدى السمات البارزة للتجربة المغربية في إضفاء طابع مؤسسي على امتدادها الديني والعلمي في إفريقيا، بما يتيح الانتقال بالروابط التاريخية والروحية من مجال التواصل المتوارث إلى فضاء التعاون المنظم. وتنبع أهمية هذا المسار من أن الذاكرة المشتركة، مهما بلغت قوتها، لا تضمن وحدها استمرارية العلاقات؛ إذ يظل تجديدها رهينًا بمؤسسات تؤطرها، وكفاءات تنقل معارفها، وبرامج تواكب تحولات الأجيال والسياقات السياسية والاجتماعية.

وفي هذا الإطار، تمثل مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة ومعهد محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات مؤسستين متكاملتين من حيث طبيعة الوظائف التي يضطلع بهما كل منهما. فالمؤسسة الأولى توفر إطارًا للتواصل العلمي وتبادل الخبرات بين العلماء، بينما يسهم المعهد في التكوين الديني والتأهيل المعرفي والمهني. وتكمن أهمية هذا التكامل في ما يمكن أن يتيحه من بناء روابط علمية ومهنية ممتدة، وتعزيز التعاون مع المؤسسات الدينية والتعليمية في البلدان الشريكة. غير أن تقدير القيمة الاستراتيجية لهذه الوظائف لا يتوقف عند اتساع النشاط المؤسسي، بل يتطلب النظر في مدى استمرارية الروابط التي تنشئها، وقدرتها على دعم التعاون وتطويره داخل البيئات الإفريقية المعنية .

وتظل فاعلية هذا الحضور مرتبطة بطبيعة العلاقة التي تنشأ بين المؤسسات المغربية ونظيراتها الإفريقية. فكلما استجابت برامج التكوين والتعاون لاحتياجات واقعية، وراعت الخصوصيات الوطنية والمذهبية، وأتاحت تبادل الخبرات على أساس الندية والاحترام المتبادل، تهيأت شروط أقوى لترسيخ الثقة وتوسيع مجالات الشراكة. أما إذا انفصلت المبادرات عن أولويات الشركاء، أو اقتصر تقييمها على الأنشطة المنجزة دون تتبع نتائجها، فإن اتساع الحضور المؤسسي لا يكفي، في حد ذاته، لإثبات تحقق أثر استراتيجي مستدام. وتزداد أهمية هذا الاعتبار حين يُنظر إلى الشركاء الأفارقة بوصفهم أطرافًا فاعلة في تحديد أهداف التعاون وصياغة برامجه وتقويم نتائجه، لا مجرد مستفيدين من المبادرات.

وعليه، فإن تطوير التجربة المغربية لا ينبغي أن يقتصر على توسيع نطاق المؤسسات أو زيادة عدد البرامج، بل يتعين أن يشمل تعميق أثرها في علاقات الشراكة، وتعزيز استدامة التعاون، وربط الأنشطة بأولويات يحددها الشركاء بالتوافق مع المؤسسات المعنية. ويقتضي ذلك الانتقال من قياس حجم النشاط إلى تقويم نتائجه، من خلال أسئلة عملية: إلى أي مدى يستمر التعاون بعد انتهاء البرامج؟ وما الذي تضيفه الشراكات إلى القدرات العلمية والتأطيرية المحلية؟ وهل تفضي المبادرات إلى مشاريع مشتركة متواصلة؟ وكيف يمكن توثيق إسهامها في ترسيخ العلاقات المؤسسية والعلمية على المدى الطويل؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة تتيح تقويمًا أكثر دقة للمنجز، وتساعد على تحديد مجالات التطوير وفق معايير واضحة وقابلة للتحقق.

وبهذا الاعتبار، لا تكون المؤسسة مجرد قناة لنقل نموذج ديني، بل إطارًا للتعاون العلمي والتربوي الذي يراعي خصوصيات الشركاء ويتيح تبادل الخبرات والمنافع. كما لا يُنظر إلى الامتداد الروحي المغربي بوصفه غاية مستقلة، وإنما باعتباره رصيدًا يمكن أن يسهم في بناء علاقات إفريقية أكثر رسوخًا متى اقترن بالمصداقية والكفاءة المؤسسية واستدامة التعاون. ومن هنا يتحدد الفارق بين الحضور المؤسسي والأثر الاستراتيجي: فالأول يُرصد بما أُنشئ من أطر وما نُفذ من برامج، أما الثاني فيتطلب النظر فيما استقر من شراكات، وما تحقق من نتائج، وما أمكن توثيقه من آثار. وعلى هذا الأساس، يغدو تقويم التجربة شرطًا لتطويرها، وضمانًا لارتباط طموحها الاستراتيجي بمنافع مشتركة تخدم المغرب وشركاءه الأفارقة.

4. من الحضور إلى الأثر، نحو نموذج مغربي لقياس العائد الاستراتيجي للدبلوماسية الدينية:

إذا كان الرهان الاستراتيجي للدبلوماسية الدينية المغربية يتمثل في تحويل الرصيد الروحي إلى شراكات مستدامة، فإن استكمال هذا المسار يقتضي الانتقال من توثيق الأنشطة المنجزة إلى تقويم نتائجها، ومن قياس اتساع الحضور المؤسسي إلى تقدير نوعية الأثر الذي يمكن إثباته. ولا يعني ذلك إخضاع العمل الديني لمنطق الحساب النفعي الضيق، أو اختزال قيمته في مردوده السياسي، وإنما يقتضي التمييز بين مقاصده العلمية والتربوية، ومخرجاته المؤسسية، والنتائج التي يفضي إليها، ثم تقدير إسهامه المحتمل في تعزيز علاقات المغرب الإفريقية في ضوء الأدلة المتاحة.

وتبرز ضرورة هذا الانتقال من محدودية المؤشرات الكمية حين تُتخذ منفردة معيارًا للحكم على الفاعلية الاستراتيجية. فعدد المستفيدين من برامج التكوين، واللقاءات العلمية المنعقدة، والاتفاقيات الموقعة، معطيات ضرورية لتوثيق حجم النشاط، لكنها لا تكشف وحدها عن مدى استدامة نتائجه.

فالسؤال لا يقتصر على عدد من شاركوا في البرامج، بل يمتد إلى ما اكتسبوه من معارف وكفاءات، وما أتاحته مشاركتهم من تطوير للعمل داخل مؤسسات بلدانهم؛ ولا يقف عند عدد الشراكات المعلنة، بل يتناول مدى استمرارها وتجددها، وقدرتها على إنتاج مبادرات مشتركة تتجاوز المناسبات الرسمية. وهنا يتحدد الفارق بين رصد الحضور المؤسسي وتقويم أثره.

وانطلاقًا من ذلك، يمكن تطوير إطار مغربي لتقويم الأثر الاستراتيجي للدبلوماسية الدينية، يُبنى تدريجيًّا داخل المنظومة المؤسسية القائمة، ويستند إلى خمسة محاور متكاملة، يتعلق أولها بجودة التكوين وتنمية الكفاءات، من خلال تتبع الاستفادة العلمية والمهنية للمستفيدين، ومدى توظيف مكتسباتهم في مؤسسات بلدانهم. ويتصل ثانيها باستدامة الشراكات، عبر رصد استمرار التعاون وتجدده بعد انتهاء البرامج واللقاءات الرسمية. أما ثالثها فيتناول التبادل المؤسسي والتكافؤ في التعاون، بما يشمل مشاركة الشركاء في تحديد الأولويات، وإعداد المبادرات، وتبادل الخبرات، وإنتاج المعرفة المشتركة، ويختص رابعها بالثقة والتواصل، من خلال أدوات تقويم ملائمة لطبيعة المجال الديني، تراعي الخصوصيات المحلية وتستند إلى معطيات قابلة للتحقق. ويتمثل المحور الخامس في الأثر التعاوني الأوسع، أي تقصي المجالات التي يمكن فيها إثبات إسهام هذه الشراكات في تيسير التعاون المغربي الإفريقي أو تعزيزه، مع التمييز بين أثرها المباشر وإسهام العوامل الاقتصادية والسياسية والأمنية والتاريخية الأخرى .

غير أن قيمة هذا الإطار لا تتحدد بمجرد وضع المؤشرات، بل بسلامة بنائها، وجودة البيانات المعتمدة، واستمرار جمعها، وإمكان التحقق منها، ووضوح الصلة بين كل مؤشر والنتيجة المراد قياسها.

ويقتضي ذلك التمييز بين ثلاثة مستويات مترابطة: المخرجات المباشرة، وتشمل الدورات واللقاءات والاتفاقيات والأنشطة المنجزة؛ والنتائج المتوسطة، مثل استمرار التعاون وتطور قدرات المؤسسات الشريكة ونشوء مبادرات مشتركة؛ ثم الآثار الأبعد، التي قد تتمثل في ترسخ الثقة المؤسسية وتحسن شروط الشراكة واستقرار قنوات التعاون. ولا يصح الانتقال من إحصاء الأنشطة إلى الجزم بتحقق هذه الآثار دون أدلة كافية، كما لا يجوز إرجاع كل تطور إيجابي في العلاقات الثنائية إلى الدبلوماسية الدينية وحدها. فالتقويم الرصين لا يكتفي بإبراز المنجز، بل يحدد أيضًا حدود ما تسمح المعطيات بإثباته، وما يحتاج إلى متابعة أو مراجعة .

ومن الناحية العملية، لا ينبغي أن يتحول التقويم إلى عبء إداري يستهلك موارد المؤسسات في إعداد التقارير، بل أن يُصمم أداةً لتحسين القرار وتوجيه الجهد. ويمكن أن يبدأ تطبيقه بتجربة محدودة تشمل عينة من البرامج والشراكات القائمة، تُحدد فيها الأهداف والمؤشرات قبل التنفيذ، وتُجمع بشأنها بيانات مرجعية، ثم تُتابع النتائج خلال مدة زمنية مناسبة. وينبغي أن تتم هذه العملية بمشاركة المؤسسات المغربية ونظيراتها الإفريقية، حتى لا تُفرض معايير التقويم من طرف واحد، وحتى تعكس المؤشرات أولويات الشركاء وخصوصيات البيئات التي يعملون فيها. وبعد اختبار صلاحية المؤشرات وقابليتها للتطبيق، يمكن تطوير إطار أوسع يسمح بتتبع النتائج عبر الزمن، وتحديد الممارسات التي أثبتت جدواها، والمبادرات التي تحتاج إلى إعادة تصميم أو إلى صيغ تعاون أكثر ملاءمة.

ويقتضي هذا التصور الفصل بين تقويم الأثر الاستراتيجي ومحاولة توجيه العمل الديني لخدمة مواقف سياسية آنية. فليس معيار نجاح التعاون العلمي والروحي أن تتطابق مواقف الشركاء السياسية مع المواقف المغربية، إذ إن إخضاع العلاقات الدينية لهذا المعيار يضيّق وظيفتها، وقد يضعف الثقة التي يُراد ترسيخها. والأولى أن يُقوَّم التعاون بما يحققه من معرفة متبادلة، وتنمية للكفاءات، واستمرارية للعلاقات، وتوسيع لمجالات العمل المشترك. أما إسهام هذه النتائج في تعزيز المكانة الجيوسياسية للمملكة، فينبغي تحليله ضمن السياق الأوسع للعلاقات الإفريقية، لا اعتباره عائدًا آليًّا أو مضمونًا للنشاط الديني.

وتتجلى القيمة المضافة لهذا النموذج في إتاحة أساس معرفي أكثر دقة لتحديد الأولويات وتوجيه الموارد وتطوير البرامج، فضلًا عن تمكين المؤسسات الشريكة من المشاركة في تقويم التعاون وتحسينه. كما يتيح بناء معرفة تراكمية تساعد على تفسير تفاوت النتائج بين المبادرات، وتحديد الشروط التي تدعم استدامتها، والتمييز بين ما يصلح للتطوير والتعميم وما تظل فاعليته مرتبطة بظروف محلية محددة، وبهذا تنتقل الدبلوماسية الدينية من الاكتفاء بتوسيع نطاق الحضور إلى إدارة أثره، ومن وصف الأنشطة إلى فهم نتائجها وشروط نجاحها.

إن الغاية من هذا المسار ليست إنشاء منظومة قياس جديدة لمجرد القياس، بل ترسيخ قدرة مؤسسية على التعلم من التجربة وتصحيح الاختيارات في ضوء النتائج. فحماية الرصيد الروحي من المبالغة في تقدير أثره لا تقل أهمية عن تنميته، كما أن تطوير أدوات تقويم منضبطة يعزز إمكان توظيفه في المجالات التي تثبت فيها الشراكات جدواها. ومن هنا، يصبح قياس الأثر جزءًا من التفكير الاستراتيجي في الدبلوماسية الدينية المغربية؛ لا لأنه يضمن النفوذ، بل لأنه يوفر أساسًا أكثر موضوعية للتمييز بين الحضور القائم، والإمكانات المتاحة، والنتائج التي أمكن توثيقها، بما يخدم بناء شراكات إفريقية متوازنة ومستدامة.

إن الرهان المغربي في إفريقيا هو تحويل الرصيد التاريخي والروحي إلى قيمة استراتيجية متجددة، تصل الرؤية الملكية بالفعل المؤسسي، والتضامن بالمصالح المشتركة، والحضور بالأثر القابل للإثبات. وبقدر ما تُبنى الشراكات على المصداقية والندية واحترام أولويات الشركاء، تستطيع الدبلوماسية الدينية أن تسهم في تعزيز مكانة المغرب القارية، لا بوصفها بديلًا من أدوات السياسة الإفريقية، بل رافدًا مكمّلًا لها، يستمد فاعليته من استدامة التعاون وجودة نتائجه وما يحققه من منافع متبادلة تخدم المغرب وشركاءه الأفارقة.

°° المراجع المعتمدة °°

أولًا: الوثائق والمراجع العربية:

– الاتحاد الإفريقي، أجندة 2063: إفريقيا التي نريدها. تقرير المفوضية، الوثيقة Assembly/AU/5(XXIV)A. أديس أبابا: الاتحاد الإفريقي، يناير 2015.

– المملكة المغربية. دستور المملكة المغربية. صادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.11.91 بتاريخ 29 يوليو 2011. الجريدة الرسمية للمملكة المغربية، العدد 5964 مكرر، 30 يوليو 2011.

– المملكة المغربية، «ظهير شريف رقم 1.14.103 صادر في 20 من رجب 1435 (20 مايو 2014) في شأن إحداث معهد محمد السادس لتكوين الأئمة والمرشدين والمرشدات». الجريدة الرسمية للمملكة المغربية، العدد 6268، 26 يونيو 2014، ص 5470–5472.

– المملكة المغربية، «ظهير شريف رقم 1.15.75 صادر في 7 رمضان 1436 (24 يونيو 2015) يتعلق بإحداث مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة». الجريدة الرسمية للمملكة المغربية، العدد 6372، 25 يونيو 2015، ص 5996–6008.

– منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي. مقاييس أفضل من أجل تقييم أفضل: مقاييس التقييم المنقَّحة، تعريفاتها ومبادئ استخدامها. باريس: منشورات منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي، 2021. https://doi.org/10.1787/bc0f61f4-ar.

– ناي، جوزيف س. القوة الناعمة: وسيلة النجاح في السياسة الدولية. ترجمة محمد توفيق البجيرمي. الرياض: مكتبة العبيكان، 2007.

 

ثانيًا: الدراسات الأجنبية:

 

– Hmimnat, Salim. “‘Spiritual Security’ as a (Meta-)Political Strategy to Compete

over Regional Leadership: Formation of Morocco’s Transnational Religious Policy towards Africa.” The Journal of North African Studies 25, no. 2 (2020): 189–227. https://doi.org/10.1080/13629387.2018.1544073.

– Wainscott, Ann Marie. “Religious Regulation as Foreign Policy: Morocco’s Islamic Diplomacy in West Africa.” Politics and Religion 11, no. 1 (March 2018): 1–26. https://doi.org/10.1017/S1755048317000591.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *