الرئيسية / الرئيسية / رمضان الوعي: حين اختار شباب المنظمة مناقشة العدالة بدل الفرجة

رمضان الوعي: حين اختار شباب المنظمة مناقشة العدالة بدل الفرجة

ماروك24ميديا

– لطيفة بنعاشير.

في زمنٍ صار فيه ما بعد الإفطار مرادفاً للمقاهي المكتظة أو الشاشات المضيئة، اختار شباب المنظمة الوطنية للدفاع عن حقوق الإنسان والحريات العامة مساراً مختلفاً. لم يختاروا الفرجة، بل الفكرة. لم يختاروا السهر العابر، بل النقاش العميق. ضمن فعاليات “الرمضانيات الحقوقية” في نسختها الثانية 1447-2026، تحوّل المساء الرمضاني إلى مساحة حوار حول مستجدات قانون المسطرة الجنائية، وحول سؤال أكبر من كل تعديل: كيف نحمي الحرية حين تختبرها العدالة؟

هذا المقال رأيٌ منتج ضمن هذه الفعاليات، ويعكس روح جيل قرر أن يكون شريكاً في النقاش العمومي لا متفرجاً عليه. فالقانون الجنائي ليس نصاً بعيداً عن حياتنا، بل هو الذي ينظم لحظة الاعتقال، ويحدد حقوق المشتبه فيه، ويرسم حدود سلطة الاتهام، ويصون — أو يضعف — قرينة البراءة. لذلك فإن مناقشة مستجداته ليست ترفاً فكرياً، بل ضرورة مواطِنة.

النقاش الذي احتضنته المنظمة لم يكن تصفيقاً لنصوص جديدة، بل مساءلة واعية لروحها. هل تعززت فعلاً ضمانات المحاكمة العادلة؟ هل أصبح حق الدفاع أكثر قوة في الممارسة لا في البلاغات؟ هل تحمي التعديلات الطفل في تماس مع القانون بروح إنسانية تجعل مصلحته الفضلى معياراً عملياً لا شعاراً إنشائياً؟ وهل تظل السياسة الجنائية وفية للتوازن بين حماية المجتمع وصون الحريات الفردية؟

جرأة الشباب هنا لم تكن في الرفض المطلق ولا في القبول الأعمى، بل في اختيار النقاش بدل الصمت. في الإيمان بأن المجتمع المدني ليس ضيفاً على العدالة، بل شريكاً في تخليقها، وأن مساءلة النصوص القانونية تعبير عن الثقة في دولة القانون لا خروج عنها. لقد أثبتوا أن رمضان يمكن أن يكون مدرسة للوعي كما هو مدرسة للروح، وأن الصيام عن الطعام لا يمنع التفكير في مستقبل الحقوق والحريات.

لسنا ضد الترفيه، ولا ضد لحظات الاسترخاء بعد يوم طويل، لكننا مع فكرة أن للشباب قدرة على صناعة بدائلهم الثقافية. أن يجلسوا لمناقشة قرينة البراءة بدل متابعة حلقة درامية، وأن يتجادلوا حول حدود تدخل الفاعل الحقوقي بدل الاكتفاء بالتعليق من بعيد، فذلك مؤشر على تحوّل عميق في الوعي. إنه إعلان أن العدالة ليست شأناً يخص القضاة وحدهم، بل قضية مجتمع كامل.

جيل اليوم لا يريد قوانين تُكتب باسمه دون أن يُستشار، ولا ضمانات تُرفع كشعارات دون أن تُحترم في الواقع. يريد وضوحاً، وشفافية، وممارسة تعكس روح الدستور والالتزامات الحقوقية. يريد عدالة تُنصف قبل أن تُعاقب، وتحمي قبل أن تُقيّد.

في النهاية، ما حدث ليس مجرد ندوة، بل رسالة. رسالة تقول إن الشباب قادرون على تحويل أمسياتهم إلى ورشات تفكير، وأن الوعي يمكن أن يكون خياراً جماعياً. في رمضان هذا العام، اختار شباب المنظمة أن يصوموا عن السلبية أيضاً، وأن يُفطروا على نقاش مسؤول حول العدالة. وذلك، في حد ذاته، فعل تمرد جميل على الرداءة، وانتصار هادئ لفكرة أن الحرية تستحق أن نتحدث عنها… حتى بعد الإفطار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *