ماروك24ميديا
في لحظة فارقة تهتز لها القلوب قبل السطور، ودّعت الساحة التربوية بإقليم الحسيمة واحداً من أنبل رجال التعليم، أستاذاً جعل من السبورة فضاءً للمعنى، ومن الفصل الدراسي ورشةً لتشكيل الوعي. رحل فجأة، كما يرحل الكبار دائماً، بعدما باغته نزيف دماغي حاد وهو في قلب الفعل التربوي، مشاركاً في ندوة احتضنتها ثانوية تارجيست التأهيلية، مساهماً كعادته في نقاش ينهض بالفكر التربوي ويُجدّد أدوات الممارسة التعليمية.
كان المشهد صادماً؛ فبينما كانت القاعة تشهد تفاعلاً عميقاً حول سبل تطوير البيداغوجيا ورفع جودة التعلمات، سقط الفقيد مغمىً عليه في لحظة أربكت الحضور. هبّ زملاؤه —وفي مقدمتهم مفتش مادة اللغة العربية— لتقديم الإسعافات الأولية قبل نقله على عجل إلى المستشفى المحلي، ثم تحويله إلى المستشفى الإقليمي بالحسيمة أملاً في إنقاذ حياته. غير أنّ القدر كان أقرب إليه من أي تدخل طبي، فأسلم الروح بعد ساعات من الصراع، مغادراً الحياة من حيث أحبّ أن يكون دائماً: رحاب العلم ومجالس المعرفة.
رحيل هذا المربي ليس حدثاً عابراً؛ فشهادات زملائه وطلابه تجمع على أنّه كان نموذجاً للأخلاق والنبل والتواضع، وأستاذاً يسكنه الإخلاص وتفيض منه الحكمة. لم يكن يرى في التعليم وظيفة تدرّ الدخل، بل رسالة تُبنى بها الأجيال وتُصان بها هوية المجتمع. وصوته الهادئ، ورصانته العلمية، وابتسامته التي لا تغادر محياه، كانت كلها شواهد على شخصية حملت همّ التربية باعتبارها مشروعاً حضارياً لا مهمة مهنية فحسب.
وتعيد هذه الفاجعة المؤلمة طرح سؤالٍ لا يجوز تجاهله؛ سؤال الظروف المهنية والصحية التي يعيشها نساء ورجال التعليم. فالمربي ليس مجرد ناقل للمعرفة، بل قلب نابض يتعرض لضغط نفسي وتراكمات يومية تتطلب دعماً حقيقياً وبيئة عمل آمنة تحفظ كرامته وصحته. ورحيل هذا الأستاذ، وهو يؤدي رسالته واقفاً، يذكّر بضرورة الالتفات إلى الإنسان الذي يحمل المدرسة على كتفيه قبل الالتفات إلى البرامج والمناهج.
لقد غاب الأستاذ جسداً، لكنه ترك أثراً لا يزول؛ ترك في ذاكرة تلامذته درساً أخيراً: أن العطاء الحقيقي لا ينطفئ، وأن المعلم الذي يرحل وهو واقف في ميدان الرسالة يظلّ حياً في كل عقل أناره، وفي كل قلب بلّله برحيق المعرفة. هكذا يرحل الفرسان… ويبقى إرثهم شاهداً لا يموت.
بقلم: سيداتي بيدا