ماروك24ميديا
تواجه المنظومة الصحية الوطنية اليوم اختبارًا حاسمًا في واحدة من أكثر جبهاتها هشاشة: تدبير الخدمات المفوضة داخل المستشفيات العمومية. فبعد سنوات من التغاضي والتواطؤ والصمت المريب، تفرض الوقائع اليوم تحركًا عاجلًا لوقف نزيف الفساد وسوء التدبير الذي طال قطاعات الحراسة والنظافة والاستقبال، وجعل من مرافق يفترض أن تضمن كرامة المواطن، بيئات طاردة للحد الأدنى من الاحترام والمعاملة الإنسانية.
إن إعلان وزارة الصحة عن مراجعة شروط التأهيل والتعاقد مع الشركات المفوضة هو خطوة أولى في الاتجاه الصحيح، لكنها لن تكون ذات جدوى ما لم تترافق مع محاسبة حقيقية وصارمة لكل من عبث بهذه القطاعات الحساسة لعقود طويلة.
فحسب الأرقام الرسمية، أزيد من 70% من الشركات العاملة حاليًا تفتقر إلى الحد الأدنى من الكفاءة والتأهيل، وتستند في وجودها فقط إلى شبكات محسوبية وزبونية تستقوي بالنفوذ وتزدهر في غياب الرقابة والمساءلة.
هذه الوضعية المزرية تطرح أسئلة مشروعة وملحة:
من منح هذه الشركات صفقات بملايين الدراهم؟
من تستر على تجاوزاتها؟
ومن تواطأ بالصمت على تعاقدات تنتهك الحقوق الدستورية للمواطنين في ولوج خدمات صحية لائقة؟
لا يمكن الاستمرار في التستر على واقع مرّ تُرك فيه المرضى والمواطنون تحت رحمة شركات لا تحترم الحد الأدنى من معايير الجودة والاحترام، وتحولت إلى أدوات لإذلال المواطن في أحلك ظروفه، عوض أن تكون جزءًا من منظومة تراعي حساسية المرفق الصحي العمومي.
إن ما يقع في بعض المستشفيات ليس مجرد اختلال في التدبير، بل إهانة ممنهجة لكرامة المواطن، ومس مباشر بثقة المغاربة في دولتهم ومؤسساتهم. واستمرار هذا الوضع هو ببساطة تواطؤ في تجريد المواطن من حقه الدستوري في العلاج الكريم.
لقد ولى زمن الإفلات من العقاب، ومن الضروري اليوم القطع مع عهد “شركات الريع” التي اعتادت التحايل عبر تغيير الأسماء أو تمرير الصفقات تحت غطاء شركاء وهميين. هذه الأساليب يجب أن تُواجه بحزم، لا بمزيد من التساهل أو التجميل القانوني.
الرسالة يجب أن تكون واضحة:
لن يكون لأي كيان عديم الكفاءة أو متورط في الريع والفساد مكان داخل المرافق الصحية العمومية.
لا إصلاح دون محاسبة. ولا حديث عن جودة الخدمات ما دامت صفقات التدبير تُمنح بمقاييس الولاءات بدل الكفاءات.
المرحلة تقتضي قرارات جريئة، وإرادة سياسية واضحة، وقواعد تعاقدية صارمة تُبنى على الشفافية والنزاهة، لا على منطق الغنيمة.
الكرامة الصحية ليست امتيازًا، بل حق أصيل.
ومن يعبث بها، سواء كان مسؤولًا أو شركة أو وسيطًا، يجب أن يُقصى فورًا من أية شراكة مع الدولة
تحرير : سيداتي بيدا