عندما تفرغ المساجد بعد رمضان من الذي غادر: الناس أم الإيمان؟
بقلم سيداتي بيدا
في ليالي رمضان، لا تجد موطئ قدم في المساجد. صفوف متراصة، وجوه خاشعة، وقلوب تبدو وكأنها عادت أخيرًا إلى موطنها الطبيعي. مشهد يخطف الأبصار ويوقظ الأمل: الأمة بخير…دهكذا نظن.
لكن ما إن ينقضي الشهر،
حتى يحدث التحول الصادم. الأبواب نفسها، الصفوف نفسها لكن المصلين؟ اختفوا. كأن رمضان كان استثناءً، لا قاعدة. كأن العبادة كانت حالة طارئة، لا التزامًا دائمًا.
هنا يفرض السؤال نفسه بقسوة: هل كنا نعبد الله… أم نعبد رمضان؟
العبادة التي تزدهر في ظرف، وتذبل خارجه، عبادة تحتاج إلى مراجعة جذرية. لأن الإيمان الحقيقي لا يعرف التقويم، ولا ينتظر موسمًا ليشتعل. من كان صادقًا في رمضان، يثبّت صدقه بعده، لا يودّعه مع آخر تكبيرة عيد.
المؤلم أن بعضنا اعتاد هذا النمط: اندفاع قوي، ثم انقطاع حاد. حضور كثيف، ثم غياب شبه تام. وكأن العلاقة مع المسجد مرتبطة بالزحام، لا بالإيمان. هذا التذبذب ليس مجرد فتور عابر، بل إنذار خطير بأن جذور الالتزام لم تترسخ بعد.
أي منطق يقبل أن من اعتاد الصف الأول، يرضى لاحقًا بترك الصلاة أو أدائها في عزلة؟ وأي قلب ذاق لذة الجماعة، ثم استبدلها بالغياب، دون أن يهتز؟
لا تخدع نفسك بكثرة ما فعلت في رمضان، بل واجهها بسؤال واحد: ماذا بقي منها الآن؟ لأن القيمة الحقيقية ليست في البدايات القوية، بل في الاستمرار الصادق.
إن المساجد التي ضاقت بالمصلين في رمضان، لا ينبغي أن تتسع لغيابهم بعده. والقلوب التي لانت، لا يجوز أن تقسو بهذه السرعة. فالله لم يتغير الذي تغير هو العزم.
الرسالة واضحة، لكنها موجعة: لا تجعل عبادتك موسمية، فتكون ممن يعرفون الطريق إلى الله ثم يتركونه بلا سبب.
الثبات ليس خيارًا إضافيًا، بل هو الامتحان الحقيقي. ومن سقط بعد رمضان، فليعلم أن المشكلة لم تكن في ضيق الوقت بل في ضعف العهد.
عد… لكن هذه المرة لا ترحل.