الرئيسية / الرئيسية / لأن أوفيليا تموت في المسرح… أما نحن فنفقد شبابنا في صمت رسمي وضجيج افتراضي

لأن أوفيليا تموت في المسرح… أما نحن فنفقد شبابنا في صمت رسمي وضجيج افتراضي

ماروك24ميديا

حين كتب الأستاذ عبيد البروزيين أن انتحار “أوفيليا” في مسرحية “هاملت” لويليام شكسبير يختلف عن حدث الدار البيضاء، كان يعيد النقاش إلى مستواه الفلسفي: الموت ليس مجرد واقعة بيولوجية، بل حدث ثقافي تعيد الجماعة تأويله وفق منظومتها الرمزية.
أتفق معه تماما.
لكن ما لم ننتبه إليه هو أننا لم نعد نؤول الموت… بل نستهلكه.
أوفيليا تموت داخل نص، داخل بنية شعرية، وداخل جماليات التراجيديا. أما في واقعنا، فالموت يتحول إلى عنوان مثير، إلى “ترند”، وإلى مادة سباق بين منابر لا يهمها إلا عدد النقرات.
قيل: “من الحب ما قتل”، وكأننا أمام مشهد سينمائي لا أمام مأساة تخص قاصرتين لم تتجاوزا السابعة عشرة من العمر؛ لاعبتان في فرق نسوية معروفة، منضبطتان، محبوبتان، ومشروع مستقبل رياضي واعد. لكننا — ببساطة مخيفة — اختصرناهما في علاقة مفترضة، وبنينا سردية عاطفية لأن مظهر إحداهما لم ينسجم مع القالب النمطي الذي نرتاح إليه.
أي عبث هذا؟ أي جهل بأخلاقيات المهنة؟ أي اختزال إنساني يسمح بتحويل مراهقتين إلى قصة رومانسية مفبركة؟
ثم، في الأسبوع نفسه، شاب خريج قانون، حاصل على الماستر بميزة مشرفة، يستعد للدكتوراه ولمباريات القواد (رجال السلطة)، يفقد حياته داخل مقر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية. عائلته تتحدث عن معطيات مقلقة، بلاغ رسمي يصدر، والمنصات تنقسم بين الاتهام والتبرير.
وهنا، أرفع السقف:
دولة القانون لا تقاس فقط بوجود النصوص، بل بمدى حماية الكرامة النفسية داخل مؤسساتها.
قرينة البراءة مبدأ دستوري، وواجب التحقيق الموضوعي التزام قانوني، لكن الأهم: واجب الوقاية النفسية مسؤولية أخلاقية ومؤسساتية.
نحن بلد يتحدث عن التنمية، عن الرؤية الملكية للشباب، وعن تمكين الطاقات؛ ثم نفقد أطرا شابة في الرياضة، في الجامعة، وفي مسارات مهنية واعدة… ونختلف فقط حول “الرواية”.
نحن بارعون في إصدار البلاغات، لكننا ضعفاء في بناء منظومات الإنصات.
قرار إنهاء الحياة — حين يحدث — ليس فعل لحظة رومانسية، ولا مجرد نزوة؛ هو غالبا نتيجة تراكم طويل من الضغط، العزلة، الإحساس بعدم الفهم، وانسداد الأفق. لكن بدل أن نسأل:
• أين كانت خلايا الإنصات في المدارس؟
• أين المواكبة النفسية في الجامعات؟
• أين الدعم داخل الأندية الرياضية؟
• أين آليات المرافقة داخل المؤسسات العمومية؟
ننشغل بتحليل العلاقة بين الأشخاص، نحاكم المظهر، نبحث عن خصومة، ونصنع قصة.
السؤال الذي أخجل أن أطرحه، لكن يجب أن يطرح: هل نحن مجتمع يعترف بالصحة النفسية؟ أم ما زلنا نعتبرها ترفا، أو وصمة، أو ضعفا؟
نحن نعيش مفارقة قاتلة: نحتفي بالشباب في الخطب، ونهملهم في السياسات. نتحدث عن دولة المؤسسات، لكن لا ندرج الصحة النفسية كمكون إلزامي داخل كل مؤسسة.
من موقعي كحقوقية، أقول بوضوح:
1. لا يجوز إدانة مؤسسة قبل انتهاء التحقيق.
2. لا يجوز شيطنة عائلة تطالب بالحقيقة.
3. لا يجوز تحويل الفاجعة إلى مادة إعلامية بلا ضوابط.
العدالة ليست انفعالا، لكن المسؤولية المجتمعية ليست صمتا. نحن بحاجة إلى:
• إدماج إلزامي لخدمات الدعم النفسي داخل المدارس والجامعات.
• وحدات إنصات داخل الأندية الرياضية والجمعيات.
• مواكبة نفسية داخل المؤسسات العمومية، بما فيها الأمنية.
• تكوين الإعلاميين في أخلاقيات تناول قضايا الانتحار، ومنع العناوين الرومانسية أو المضللة.
• استراتيجية وطنية للصحة النفسية تعامل كأولوية تنموية لا كملف هامشي.
لأن التنمية ليست طرقا ومشاريع فقط؛ التنمية إنسان يشعر بالأمان النفسي.
إن فقدان إطار شاب كان يؤمن بالقانون، وفقدان رياضيتين في مقتبل العمر، ليس مجرد حادثتين منفصلتين؛ إنه جرس إنذار. جرس يقول إننا نؤجل الاعتراف بالألم إلى ما بعد الفقدان، نؤجل الإصلاح إلى ما بعد الصدمة، ونؤجل الإنصات إلى ما بعد الصمت الأبدي.
أوفيليا تموت في المسرح… لكن في المسرح، هناك جمهور، وهناك كاتب، وهناك معنى. أما في واقعنا، فالشباب يموتون في عز الضجيج، ولا نجد إلا عناوين.
إن كنا نؤمن فعلا بدولة القانون، فلنؤمن أيضا بدولة الإنصات. إن كنا نؤمن بالتنمية، فلنبدأ بحماية النفس قبل الجسد. وإلا، سنستمر في خسارة شبابنا… ونكتفي كل مرة ببلاغ، وبمنشور، وبصمت أطول من اللازم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *