الرئيسية / الرئيسية / العبودية في ثوب جديد: حين يبيع الأخُ أخاه في مزارع إسبانيا

العبودية في ثوب جديد: حين يبيع الأخُ أخاه في مزارع إسبانيا

ماروك24ميديا

لم يعد الظلم غريبًا عن يومنا هذا، لكن ما يفطر القلب أن يأتي بوجه مألوف، وأن يتزيّا بثوب القربى، ويُمارَس بأيادٍ كنا نظنها مألوفة، بل حانية.

في واحدة من أقسى صور الانحدار الإنساني، كشفت السلطات الإسبانية مؤخرًا عن شبكة إجرامية يقودها مهاجرون مغاربة، تورطوا في استغلال إخوانهم من المهاجرين للعمل في مزارع تحت ظروف لا تليق بالبشر، ولا حتى بالبهائم: بلا عقود، بلا أجر كريم، بلا مأوى يليق بآدمي، وبلا ذرة كرامة.

كل هذا تم على يد أبناء وطنهم، من يشاركونهم اللغة، الذاكرة، والأمل.

إن الجريمة لا تكمن فقط في هذا الاستغلال البشع، بل في بشاعته حين يرتكبها من يفترض أنه الأقرب — الأخ، الجار، ابن البلدة، ورفيق الاغتراب.

فبأي قلب يستعبد المرء من يشبهه؟

وبأي منطق يُحوّل الضعف إلى أداة إذلال، والحاجة إلى فرصة للربح الحرام؟

يا من تاجرتم بآلام الناس، ودنّستم الخبز الذي تأكلونه من عرق المقهورين،

يا من سوّغتم لأنفسكم امتهان البشر تحت غطاء “الفرصة”،

ألا تذكرون يوم كنتم أنتم من يبحث عن الخبز؟

ألم تهتفوا يومًا أن “الكرامة أولًا”؟

فكيف غدوتم جلادين بعد أن كنتم غرباء؟

ما حدث ليس مجرد “مخالفة قانونية”، بل خيانة مزدوجة: أخلاقية وإنسانية.

هي جريمة تُلطّخ جبين من ارتكبها، ومن سكت عنها، ومن انتفع منها.

إن السكوت شراكة، والغضّ عن هذه الأفعال تسترٌ على عبودية معاصرة لا تليق بعصر ولا حضارة.

نحمّل المسؤولية لكل من تورّط، ولكل سلطة تقاعست عن حماية الضعفاء.

فلا قانون يشرّف إن لم يكن حازمًا مع تجار البشر،

ولا إعلام يؤدي رسالته إن اكتفى بالأرقام وأهمل القصص،

ولا مجتمع يستحق الاحترام إن ارتضى الخوف غطاءً للصمت.

أما أولئك الذين خُدعوا، ووجدوا أنفسهم أسرى عقود وهمية، أو ثقة مكسورة، فنقول لهم:

إن الحقوق لا تُمنح، بل تُنتزع.

وإن الصوت، وإن كُسِر، لا يفقد أثره إن ارتفع من جديد.

افضحوا الجريمة، وسمّوا الأشياء بأسمائها،

فلا شيء أفتك من التواطؤ… إلا الصمت.

ولمن يظن أن الكرامة تُشترى أو تُباع:

تذكّروا أن من يبيع الإنسان، إنما يشتري لنفسه لعنة لا تزول،

وأن دموع المستضعفين، لا تنسى.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *