الرئيسية / اخبار جهوية / فاس ليست فضاءً للترهيب.. من حق التاجر أن يتكلم، ومن واجب الجميع حماية السياحة من الممارسات المسيئة

فاس ليست فضاءً للترهيب.. من حق التاجر أن يتكلم، ومن واجب الجميع حماية السياحة من الممارسات المسيئة

بقلم: سوجاع أحمد
#Maroc24Media | ماروك24ميديا

لم يعد النقاش حول بعض الممارسات التي تثير قلق التجار والمهنيين بالمدينة العتيقة بفاس مجرد موضوع عابر، بل أصبح قضية تستدعي نقاشاً مسؤولاً وصريحاً حول أمن الفضاء التجاري والسياحي، وحق المهنيين في التعبير عن انشغالاتهم دون أن يتحول ذلك إلى مصدر للمضايقات أو الضغط النفسي.

فبعد نشر مقال صحفي تناول ظاهرة ما يُوصف بالابتزاز السياحي داخل أسوار المدينة العتيقة، وجدت نفسي أمام ما أعتبره مضايقات متكررة من طرف بعض الأشخاص، الذين لا أجزم بوجود أي علاقة تنظيمية أو مباشرة بينهم وبين الممارسات التي سبق أن أثارها المقال. غير أن تزامن هذه الوقائع مع التعبير عن رأيي المهني يطرح تساؤلات مشروعة حول حدود حرية التعبير، ومدى قدرة التاجر على الدفاع عن مصالحه دون أن يشعر بأنه يدفع ثمن موقفه.

وأنا أتحدث اليوم بصفتي تاجراً أتحمل مسؤولياتي المهنية، وأؤدي ما يترتب عن نشاطي من ضرائب وواجبات قانونية، فإنني لا أطالب بامتيازات خاصة، ولا أبحث عن مواجهة مع أي طرف. كل ما أطالب به هو بيئة آمنة ومنصفة أمارس فيها تجارتي، وأسهم من خلالها في تنشيط الاقتصاد المحلي، والتعريف بالموروث الثقافي المغربي، وتعزيز جاذبية فاس السياحية.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل أصبح التاجر مطالباً بالصمت حتى لا يتعرض للمضايقة؟ وهل ينبغي أن يتردد المهني في التعبير عن انشغالاته خوفاً من عواقب قد تمس استقراره المهني ومصدر رزقه؟

إن حرية التعبير المسؤول ليست امتيازاً يمنحه أحد لأحد، بل حق يكفله الدستور في إطار القانون، كما أن اللجوء إلى الجهات المختصة لتقديم الشكايات والتبليغ عن الوقائع حق مشروع لكل من يرى أن مصالحه أو حقوقه قد تعرضت للمساس.

ومن هذا المنطلق، فإن أي مضايقات أو تصرفات قد تُفهم باعتبارها محاولة للضغط على التجار بسبب آرائهم أو مواقفهم المهنية، متى ثبتت وقائعها، تستوجب التعامل معها بالجدية اللازمة، والتحقق منها عبر القنوات القانونية المختصة، بعيداً عن التعميم أو إطلاق الأحكام المسبقة.

إن المدينة العتيقة بفاس ليست مجرد فضاء للبيع والشراء، بل هي واجهة حضارية وتاريخية للمغرب، وذاكرة حية لصناعة تقليدية عريقة، ومقصد لزوار من مختلف أنحاء العالم. وكل ممارسة من شأنها أن تسيء إلى تجربة السائح أو تزعزع ثقة التاجر في محيطه المهني تستحق المعالجة الجادة، أياً كان مصدرها.

وقد أظهرت تجارب عدد من الوجهات السياحية أن الحفاظ على سمعة المدن لا يتحقق بالمعالم التاريخية وحدها، بل يتطلب أيضاً جودة الاستقبال، واحترام الزوار، وحماية المهنيين، والتصدي للممارسات غير المشروعة متى ثبتت، إلى جانب تحسين التواصل بين التجار والسلطات والجهات المسؤولة عن القطاع.

ولا يجوز أن ننتظر حتى تتراكم الشكايات أو تتضرر صورة المدينة كي نتحرك. المطلوب هو الوقاية، والاستماع إلى المهنيين، وإيجاد قنوات واضحة للتبليغ والتواصل، بما يضمن معالجة الوقائع بحزم وعدالة، ويحفظ حقوق الجميع.

ومن باب الإنصاف، لا يمكنني أن أبخس المجهودات التي تبذلها مصالح الأمن الوطني، بما فيها الفرق الأمنية المكلفة بالمجال السياحي، في سبيل حماية الزوار والحفاظ على النظام العام. وهي مجهودات تستحق التقدير متى أسهمت في خدمة أمن المواطنين والزوار وصورة المدينة.

لكن حماية السياحة ليست مسؤولية جهاز واحد، ولا يمكن أن تتحقق نتائجها المرجوة دون تكامل الأدوار بين السلطات المحلية، والمصالح الأمنية، والجهات المعنية بالسياحة، والهيئات المهنية، والتجار والصناع التقليديين.

إننا بحاجة إلى تواصل فعال ومنتظم، وإلى آليات واضحة لتلقي شكايات المهنيين والتعامل معها، حتى لا يشعر أي تاجر بأنه مضطر إلى مواجهة المشكلات بمفرده، أو أن التعبير عن رأيه قد يعرضه للضغط أو التضييق.

إننا نؤكد، بكل وضوح، رفضنا لكل سلوك من شأنه أن يمس كرامة التجار أو يعرقل عملهم أو يسيء إلى صورة السياحة المغربية، مع التشديد على أن تحديد المسؤوليات يظل من اختصاص الجهات المختصة، بناءً على الوقائع والأدلة، وليس على الانطباعات أو الاتهامات المتبادلة.

وأنا، بصفتي تاجراً وصحفياً، أتمسك بحقي في التعبير عن انشغالاتي المهنية، وبواجبي في احترام القانون وأخلاقيات العمل الصحفي. ولن أقبل أن تتحول المخاوف أو المضايقات، إن ثبت ارتباطها بمواقفي، إلى سبب يدفعني إلى التخلي عن حقي في المطالبة بفضاء تجاري آمن يحفظ كرامتي ومصدر رزقي.

وأعلن بوضوح أنني سأحتفظ بحقي الكامل في توثيق أي واقعة تمسني، واللجوء إلى الجهات المختصة، واتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة كلما توفرت أسبابها وأدلتها، حمايةً لحقوقي ومصالح أسرتي، ودفاعاً عن حق جميع المهنيين في ممارسة أنشطتهم في ظروف سليمة.

فلا أحد فوق القانون، ولا ينبغي أن يكون أي شخص أو جهة بمنأى عن المساءلة القانونية متى ثبتت مسؤوليته وفق المساطر المعمول بها.

إن التزامنا بخدمة وطننا والسير في اتجاه الرؤية الملكية السامية، الرامية إلى تعزيز مكانة المغرب وتطوير مختلف قطاعاته، وفي مقدمتها السياحة، يفرض علينا جميعاً أن نكون شركاء في الإصلاح، لا أن نسمح للممارسات المسيئة، متى ثبتت، بأن تعرقل الجهود المبذولة لتطوير هذا القطاع الحيوي.

رسالتي اليوم ليست إعلان حرب على أحد، وإنما إعلان تمسك بالقانون والكرامة وحق التاجر في العمل والتعبير.

لا للترهيب، لا للمضايقات، لا لكل ممارسة تسيء إلى السياحة المغربية أو تمس حقوق المهنيين.

ونعم للتعاون، نعم للمحاسبة وفق القانون، ونعم لمدينة فاس التي تستحق أن تكون فضاءً آمناً للتاجر، ومرحباً بالسائح، ومشرقاً بتاريخ المغرب وحضارته.

فاس أكبر من أن تُختزل في ممارسات مسيئة، والسياحة أمانة مشتركة، وكرامة التاجر ليست موضوعاً للمساومة.

والقانون هو الفيصل، والمؤسسات هي المرجع، وحماية الحقوق مسؤولية الجميع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *