*الأجير بين نصوص الحماية وواقع الاستغلال٧٧٧٧*
في العاصمة الزمورية، آلاف الأيدي تحرك المقاهي والمطاعم والنجارة والحدادة وغسيل السيارات. لكن أغلبها يشتغل في منطقة رمادية بين الحاجة والقانون. هنا يكمن الخرق لحقوق الأجير الذي يحاول إرضاء مشغله حفاظاً على لقمة العيش، وفي حالة المرض يبقى مصيره مجهولاً بلا عنوان.
ابتداء من الساعات الأولى من كل صباح، تتحول شوارع الخميسات إلى خلية نحل. باب مقهى يُرفع، فرن يُشعل، آلة لحام تشتعل، وخرطوم ماء يغسل أول سيارة. المدينة تستيقظ على إيقاع “المهن الحرة”، تلك الأعمال الصغيرة التي لا تظهر في الإحصاءات الرسمية، لكنها تحمل نصف الحياة اليومية للساكنة.
هنا، في هذه الورشات والمحلات، يشتغل عدد غير محدود من الأشخاص. شباب، رجال في منتصف العمر، وحتى متقاعدون عادوا للعمل كي تسد لقمة العيش ثغرة في المعاش. لكن ما يثير الاستغراب ليس كثرة اليد العاملة، بل غياب أبسط ما ينص عليه قانون الشغل المغربي.
لا تأمين صحي. لا تصريح لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. وأحياناً، لا أجر يصل إلى الحد الأدنى القانوني المحدد في 3,111.68 درهم شهرياً للقطاع الصناعي والتجاري والخدمات.
المشهد يتكرر: عامل في مقهى يقف 12 ساعة مقابل أجر يومي لا يتجاوز 80 درهماً. ميكانيكي في ورشة يتعامل مع زيوت ومواد كيميائية بلا تغطية صحية. شاب في محل غسيل سيارات يقبل بأي مقابل كي لا يعود إلى البطالة.
السبب ليس مجهولاً. أغلب هذه المحلات صغيرة جداً، هامش الربح فيها ضيق، والمنافسة تدفع نحو خفض الكلفة. العامل يقبل بالوضع خوفاً من فقدان العمل، والمشغل يتجنب التصريح خوفاً من التكاليف الإضافية.
لكن الثمن يدفعه الجميع لاحقاً. حادث بسيط في ورشة حدادة يعني فاتورة مستشفى كاملة على عاتق العامل. مرض مفاجئ يعني توقف الدخل. وشيخوخة بلا اشتراكات في CNSS تعني معاشاً منعدماً.
القانون واضح في مدونة الشغل. التصريح بالعامل إجباري من اليوم الأول، والحد الأدنى للأجر غير قابل للتنازل، ومفتش الشغل له صلاحية الدخول إلى أي مؤسسة وتحرير محضر مخالفة. لكن الفجوة بين النص والتطبيق تبقى واسعة في المدن الصغيرة والمتوسطة، حيث العلاقة بين المشغل والعامل أقرب إلى “التفاهم الشفوي” منها إلى عقد مكتوب.
وهنا يطرح السؤال الذي يتردد في أحاديث الناس: هل يعلم مفتش الشغل ما يجري بالميدان، أم أن السكوت علامة الرضا؟
الخميسات ليست استثناء. هي مرآة لمغرب يشتغل خارج الأطر، لأن الأطر أحياناً أضيق من الواقع. المدينة تنتج حركة وخدمات وحياة، لكنها تفعل ذلك على ظهر عمال يشتغلون اليوم ولا يضمنون الغد.
السؤال ليس من المخطئ: العامل الذي يقبل، أم المشغل الذي لا يصرح. السؤال هو: كم سننتظر قبل أن تصبح الحماية الاجتماعية جسراً يعبر عليه الجميع، وليس امتيازاً لمن حالفه الحظ واشتغل في مؤسسة كبيرة؟
مدينة تتحرك كل صباح تستحق أن ينام أبناؤها وهم مطمئنون على صحتهم وتقاعدهم. غير ذلك، سنظل نستيقظ على نفس الصوت: صوت ورشة مفتوحة، لكن بلا ضمانات.