عندما انتصر الاحترام قبل صافرة البداية
مونديال 2026 يؤكد أن المقدسات ليست قابلة للمساومة
بقلم/ سيداتي بيدا
في عالمٍ تتشابك فيه الثقافات وتتقاطع المصالح وتتنافس فيه الأمم على فرض حضورها وهويتها، تبرز أحيانًا مواقف صغيرة في ظاهرها، لكنها عظيمة في دلالاتها ورسائلها. ومن بين تلك المواقف ما شهدته منافسات كأس العالم 2026 خلال المباراة التي جمعت المنتخب السعودي بنظيره الأوروغواياني، حين اختار المنظمون عدم وضع العلم السعودي على أرضية الملعب ضمن المراسم المعتادة، احترامًا لما يحمله من شهادة التوحيد، أقدس رمز في العقيدة الإسلامية.
قد يعتبر البعض الأمر مجرد إجراء بروتوكولي عابر، لكن الحقيقة أنه يحمل أبعادًا حضارية أعمق بكثير من شكله الظاهري. فحين يتعلق الأمر بالمقدسات الدينية، لا يعود الحديث عن تفاصيل تنظيمية أو ترتيبات شكلية، بل عن احترام عقائد الشعوب وصون الرموز التي تمثل وجدانها وهويتها الروحية.
لقد بعث هذا الموقف برسالة واضحة إلى العالم مفادها أن الاحترام الحقيقي لا يُقاس بالشعارات الرنانة ولا بالخطب المنمقة التي تتغنى بالتسامح والتعايش، بل يُقاس بالقدرة على ترجمة تلك المبادئ إلى سلوك عملي ومواقف ملموسة. فالاعتراف بخصوصية الآخر واحترام معتقداته ليس منّة من أحد، بل هو أساس أي علاقة إنسانية راقية وأحد أهم معايير التحضر المعاصر.
وما يمنح هذه المبادرة قيمتها الاستثنائية أنها جاءت في أكبر تظاهرة رياضية عالمية يتابعها مليارات البشر من مختلف الأديان والثقافات. هناك، حيث تتجه الأنظار إلى المستطيل الأخضر وتحتدم المنافسة الرياضية، حضرت رسالة أخلاقية هادئة لكنها شديدة الوضوح: القيم لا ينبغي أن تُهمَّش أمام صخب المصالح أو زخم الجماهير.
لقد أثبت هذا المشهد أن الرياضة ليست مجرد أهداف وانتصارات وهزائم، بل يمكن أن تكون منصة عالمية لترسيخ الاحترام المتبادل وتعزيز الحوار بين الحضارات. كما أكد أن الحفاظ على الخصوصيات الدينية والثقافية لا يتعارض مع الانفتاح على العالم، بل يشكل أحد شروطه الأساسية.
وفي زمن تتكرر فيه الاعتداءات على الرموز والمعتقدات تحت ذرائع مختلفة، جاءت هذه الصورة لتقدم نموذجًا حضاريًا راقيًا عنوانه أن الاحترام لا ينتقص من أحد، بل يرفع الجميع.
وقبل أن تبدأ المباراة، كان درس الاحترام قد أُلقي بالفعل، وكانت الأخلاق قد حققت انتصارها الأول، انتصارًا لا يُقاس بالأهداف ولا تحسمه النتائج، بل تحفظه الذاكرة بوصفه انتصارًا للقيم الإنسانية الرفيعة.