حين تُسرق الذاكرة الجماعية… من يتحدث باسم المدينة العتيقة لفاس؟#ماروك24ميديا# بقلم: سوجاع احمد تقول الحكمة الشعبية: “الخيل تعرف صاحبها، والمدينة العتيقة تعرف أبناءها”. وهي عبارة تختزل عمق العلاقة التي تربط الإنسان بالمكان، خصوصًا حين يتعلق الأمر بمدينة عريقة مثل فاس، حيث لا تُقاس الانتماءات بالعناوين الإدارية ولا بشهادات الميلاد، بل تُقاس بمدى الارتباط الحقيقي بروح المدينة ونبضها اليومي.فاس اليوم لم تعد فقط أسوارًا عتيقة أو دروبًا ضيقة، بل أصبحت حاضرة مترامية الأطراف تضم أحياء حديثة ومقاطعات متعددة، من بينها سايس وزواغة و المرينيين وأكدال وعين الشقف ووو. غير أن لبّ فاس الحقيقي، وجوهرها الثقافي والتاريخي، يظل راسخًا في المدينة العتيقة: في أسواقها، في حرفييها، في تجارها، وفي أولئك الذين تنبض أرواحهم مع كل حجر في أزقتها.لقد شهدت المدينة العتيقة خلال السنوات الماضية نضالًا حقيقيًا من طرف رجال آمنوا بضرورة إنعاشها اقتصاديًا وثقافيًا. فاعلون اشتغلوا في صمت، داخل النسيج الجمعوي والتجاري، من أجل إعادة الحياة إلى فضاءات كادت أن يطالها النسيان، وعلى رأسها ساحة باب أبي الجنود، التي تحولت بفضل هذه الجهود إلى فضاء للفرجة والتنشيط، في محاولة جادة لكسر حالة الركود التجاري التي عانت منها المنطقة.هذه الجهود لم تكن وليدة لحظة، بل نتيجة تراكم سنوات من العمل الميداني الصادق، الذي لم يكن هدفه الظهور الإعلامي أو تحقيق مكاسب سياسية، بل الحفاظ على هوية المدينة العتيقة وصون مكانتها كقلب نابض للثقافة والاقتصاد المحلي.غير أن ما يثير الاستغراب، بل ويدعو إلى التساؤل، هو ما أصبحنا نشهده مؤخرًا من محاولات لركوب موجة هذا العمل الجاد. حيث ظهرت بعض الأصوات، القادمة من خارج عمق المدينة العتيقة، لتتبنى نفس الخطاب وتعيد إنتاج نفس الأفكار، لكن في سياقات رسمية وأمام مسؤولين، وكأنها صاحبة المبادرة الأولى.إنه سلوك لا يندرج فقط في خانة “الاستفادة السياسية”، بل يتجاوز ذلك إلى تبخيس مجهودات سنوات من العمل الصادق، وإفراغ المبادرات من بعدها النضالي الحقيقي. فحين تُنسب الأفكار لغير أصحابها، يُصاب العمل الجمعوي في مقتل، وتفقد الثقة بين الفاعلين المحليين والمؤسساالمدينة العتيقة لفاس لا تحتاج إلى خطابات منسوخة، بل تحتاج إلى استمرارية في العمل، وإلى احترام ذاكرة من اشتغلوا بصمت. تحتاج إلى من يؤمن بأن التنمية ليست مناسبة للظهور، بل مسؤولية يومية تتطلب التواضع والاعتراف بالآخر.وفي الأخير، يبقى السؤال مفتوحًا:هل أصبحت بعض القضايا المحلية مجرد أوراق سياسية تُستعمل عند الحاجة؟ أم أن الوقت قد حان لإعادة الاعتبار لأبناء المدينة الحقيقيين، الذين لا يتحدثون كثيرًا… لكنهم يفعلون الكثيفاس، كما تقول الحكمة، تعرف أبناءها… والتاريخ لا ينسى.حين تُسرق الذاكرة الجماعية… من يتحدث باسم المدينة العتيقة لفاس؟
بقلم: سوجاع احمد
تقول الحكمة الشعبية: “الخيل تعرف صاحبها، والمدينة العتيقة تعرف أبناءها”. وهي عبارة تختزل عمق العلاقة التي تربط الإنسان بالمكان، خصوصًا حين يتعلق الأمر بمدينة عريقة مثل فاس، حيث لا تُقاس الانتماءات بالعناوين الإدارية ولا بشهادات الميلاد، بل تُقاس بمدى الارتباط الحقيقي بروح المدينة ونبضها اليومي.
فاس اليوم لم تعد فقط أسوارًا عتيقة أو دروبًا ضيقة، بل أصبحت حاضرة مترامية الأطراف تضم أحياء حديثة ومقاطعات متعددة، من بينها سايس وزواغة و المرينيين وأكدال وعين الشقف ووو. غير أن لبّ فاس الحقيقي، وجوهرها الثقافي والتاريخي، يظل راسخًا في المدينة العتيقة: في أسواقها، في حرفييها، في تجارها، وفي أولئك الذين تنبض أرواحهم مع كل حجر في أزقتها.
لقد شهدت المدينة العتيقة خلال السنوات الماضية نضالًا حقيقيًا من طرف رجال آمنوا بضرورة إنعاشها اقتصاديًا وثقافيًا. فاعلون اشتغلوا في صمت، داخل النسيج الجمعوي والتجاري، من أجل إعادة الحياة إلى فضاءات كادت أن يطالها النسيان، وعلى رأسها ساحة باب أبي الجنود، التي تحولت بفضل هذه الجهود إلى فضاء للفرجة والتنشيط، في محاولة جادة لكسر حالة الركود التجاري التي عانت منها المنطقة.
هذه الجهود لم تكن وليدة لحظة، بل نتيجة تراكم سنوات من العمل الميداني الصادق، الذي لم يكن هدفه الظهور الإعلامي أو تحقيق مكاسب سياسية، بل الحفاظ على هوية المدينة العتيقة وصون مكانتها كقلب نابض للثقافة والاقتصاد المحلي.
غير أن ما يثير الاستغراب، بل ويدعو إلى التساؤل، هو ما أصبحنا نشهده مؤخرًا من محاولات لركوب موجة هذا العمل الجاد. حيث ظهرت بعض الأصوات، القادمة من خارج عمق المدينة العتيقة، لتتبنى نفس الخطاب وتعيد إنتاج نفس الأفكار، لكن في سياقات رسمية وأمام مسؤولين، وكأنها صاحبة المبادرة الأولى.
إنه سلوك لا يندرج فقط في خانة “الاستفادة السياسية”، بل يتجاوز ذلك إلى تبخيس مجهودات سنوات من العمل الصادق، وإفراغ المبادرات من بعدها النضالي الحقيقي. فحين تُنسب الأفكار لغير أصحابها، يُصاب العمل الجمعوي في مقتل، وتفقد الثقة بين الفاعلين المحليين والمؤسسات.
المدينة العتيقة لفاس لا تحتاج إلى خطابات منسوخة، بل تحتاج إلى استمرارية في العمل، وإلى احترام ذاكرة من اشتغلوا بصمت. تحتاج إلى من يؤمن بأن التنمية ليست مناسبة للظهور، بل مسؤولية يومية تتطلب التواضع والاعتراف بالآخر.
وفي الأخير، يبقى السؤال مفتوحًا:
هل أصبحت بعض القضايا المحلية مجرد أوراق سياسية تُستعمل عند الحاجة؟ أم أن الوقت قد حان لإعادة الاعتبار لأبناء المدينة الحقيقيين، الذين لا يتحدثون كثيرًا… لكنهم يفعلون الكثير؟
فاس، كما تقول الحكمة، تعرف أبناءها… والتاريخ لا ينسى.