ماروك24ميديا
لم يعد الخطر المحدق بأطفالنا يقتصر على الشارع أو السلوكات المنحرفة، بل أصبح يتسلل بوقاحة عبر واجهات المحلات، وعلى بعد أمتار من أبواب المدارس. حلويات ملوّنة وجذابة في ظاهرها، لكنها مثيرة للقلق في مضمونها، تُباع للأطفال بمدينة العيون دون مراقبة تُذكر، وكأن صحة الطفولة تفصيل ثانوي لا يستحق التدخل.
جمجمة، مقلة عين، سوائل صفراء وألوان فاقعة صادمة… ليست مشاهد من أفلام الرعب، بل أشكال حلويات موجّهة مباشرة للأطفال. منتجات تزرع في مخيّلة الصغار صوراً غير سوية، وتغذي الخوف والعنف البصري في مرحلة يفترض أن تُبنى فيها الطمأنينة والبراءة. أي منطق يسمح بتطبيع هذه الرموز داخل محيط تربوي؟ وكيف تُحاصر المدارس بمثل هذه السموم البصرية دون مساءلة؟
الأخطر من ذلك أن بعض هذه المنتجات تحمل تحذيرات صريحة على أغلفتها، تشير إلى تأثيرات محتملة على سلوك الطفل ونشاطه. ومع ذلك تُباع بحرية تامة قرب المؤسسات التعليمية، وكأن هذه التحذيرات مجرد زخرفة لا قيمة لها، وكأن صحة الطفل لا تستحق وقفة جادة من الجهات المسؤولة.
أما من حيث المكونات، فالأمر لا يقل خطورة: ألوان صناعية، مواد حافظة، وإضافات كيميائية مشكوك في سلامتها، تُستهلك بكثافة من طرف أطفال لا يملكون وعياً ولا قدرة على التمييز. في غياب المراقبة، يتحول الطفل إلى حقل تجارب مفتوح، وتتحول الأرباح السريعة إلى أولوية تتقدم على أي اعتبار إنساني أو أخلاقي.
وهنا تطرح أسئلة ملحّة:
أين حماية المستهلك؟
أين لجان المراقبة الصحية؟
أين السلطات المحلية وجمعيات حماية الطفولة؟
كيف يُسمح بتداول منتجات تحمل تحذيرات واضحة للأطفال داخل محيط يفترض أن يكون آمناً ونظيفاً؟ أليس هذا تقاعساً مؤسسياً؟ أليس الصمت شكلاً من أشكال التواطؤ غير المباشر؟
إن التغاضي عن هذه الظاهرة ليس إهمالاً عابراً، بل مسؤولية جسيمة قد تخلّف آثاراً نفسية وصحية طويلة المدى. سلامة الأطفال خط أحمر، وأي مساس بها هو مساس بمستقبل المجتمع.
المطلوب اليوم ليس بيانات شكلية، بل قرارات صارمة: منع بيع هذه المنتجات قرب المدارس، تشديد المراقبة، محاسبة المتهاونين، وتفعيل القوانين الزجرية دون تمييز.
كما أن وعي الأسر يظل ضرورياً، لكنه لا يعوّض غياب الدولة عن دورها الرقابي.
هذه ليست حرباً ضد التجارة، بل معركة لحماية الطفولة من الاستباحة. فأطفالنا ليسوا زبائن، وبراءتهم ليست سلعة، وصحتهم ليست مجالاً للتجريب.
ومن يعبث بها، أيّاً كان، يجب أن يُسأل… ويُحاسَب.