ماروك24ميديا
في مشهد يختزل مفارقات الخطاب الغربي حول الحريات، تُقدِم فرنسا على منع احتفالات المغاربة، وتُلوّح بغرامة مالية قدرها 135 يورو لكل من يحمل العلم الوطني المغربي. قرارٌ لا يمكن قراءته خارج سياقٍ أوسع من الانتقائية في تطبيق القيم، حيث تُرفع شعارات “الحرية” و“التعايش” عندما تخدم المزاج العام، وتُطوى سريعًا عندما يتعلّق الأمر بهويةٍ لا تُرضي الحارس الثقافي.
الراية الوطنية ليست قطعة قماش عابرة، بل رمز سيادة وذاكرة جماعية وامتداد تاريخي. تجريمها، أو التضييق على من يرفعها في فضاء عام، هو رسالة سياسية بامتياز، حتى وإن غُلّفت بإجراءات إدارية أو ذرائع أمنية. فهل بات الانتماء جريمة؟ وهل تحوّل الفرح الجماعي إلى مخالفة مدفوعة الثمن؟
المفارقة الأشد إيلامًا تتجلّى حين نرى في المقابل أصواتًا تتشدّق بكلمات أعجمية، وتحديدًا باللغة الفرنسية، وتُمنَح تلقائيًا صكّ “النخبوية” و“الثقافة”. كأن الثقافة اختُزلت في لغةٍ بعينها، وكأن اللسان معيار الوعي، لا الفكرة ولا الموقف. هذا الوهم، الذي راكمته عقود من الاستلاب الرمزي، ما زال يجد من يروّجه بلا مساءلة.
إنّ ربط الثقافة بلغة المستعمِر القديم ليس سوى استمرارٍ ناعم لهيمنةٍ قديمة بثوب جديد. فاللغة أداة تواصل وإنتاج معرفة، لا شهادة تفوّق أخلاقي أو فكري. والمثقف الحقيقي يُقاس بقدرته على النقد، وبشجاعته في قول الحقيقة، وبانحيازه للعدالة والكرامة الإنسانية، لا بلكنةٍ أجنبية ولا بمفرداتٍ مستوردة.
ثم إنّ ازدواجية المعايير تصرخ بوضوح: كيف تُمنَع أعلام وتُقنَّن أخرى؟ كيف تُضيَّق احتفالات وتُفتح ساحات لغيرها؟ إنّها سياسة الكيل بمكيالين، تُغذّي الإقصاء وتُعمّق الشعور بالغبن، بدل أن تُعزّز الاندماج الذي يُرفَع كشعار جاهز عند كل منعطف.
ليس المطلوب امتيازًا خاصًا، بل احترامٌ بسيط لحقوق متساوية. احترامٌ للرموز، وللفرح المشروع، وللتعبير السلمي عن الانتماء. فالدول تُقاس برُقيّها في احتضان التنوّع، لا بتجريمه. وأوروبا التي تُدرّس العالم دروس الحريات، مطالَبة اليوم بأن تُصغي إلى اختبارها الحقيقي: هل الحرية للجميع، أم للبعض فقط؟
إنّ كرامة الإنسان لا تُجزّأ، والهوية لا تُساوَم، واللغة أيّ لغة لا تصنع مثقفًا إن لم يسكنه ضميرٌ حيّ.
سيداتي بيدا