الرئيسية / الرئيسية / على حافة الصمت… حين يفضح البرد مأساة العبور القاتل

على حافة الصمت… حين يفضح البرد مأساة العبور القاتل

ماروك24ميديا

لم يعد الصقيع مجرد ظاهرة طبيعية عابرة في تخوم الشرق المغربي، بل تحوّل إلى جلاد صامت يفتك بأرواح أنهكها الهروب، وخذلتها الجغرافيا، وتخلّت عنها الإنسانية في أكثر لحظاتها قسوة. في المناطق الجبلية المحاذية لتويسيت، بإقليم جرادة، لم تعد الليالي الشتوية تُقاس بطولها، بل بعدد الأرواح التي تُسلب مع كل فجر جديد.

هناك، حيث لا دفء ولا مأوى ولا طريق واضح للنجاة، سقط مهاجرون من دول إفريقيا جنوب الصحراء واحدًا تلو الآخر، بعدما باغتهم البرد القارس في مسالك وعرة، لا ترحم ضعف الجسد ولا قلة الزاد. لم يحملوا سوى حلم العبور، فكان الثمن أجسادًا متجمدة تُلتقط من بين الصخور والكهوف، وكأن الموت كان في انتظارهم عند أول منعطف.

الأرقام وحدها لا تكفي لشرح فداحة المشهد. جثث تُعثر عليها تباعًا، تُجمع في صمت، وتُوارى الثرى بسرعة، وكأن الزمن لا يسمح بالحزن، ولا المكان يسمح بالأسئلة. ست جثث دُفنت في يوم واحد، أخرى حُفظت للتعرف على هويتها، ثم اكتشافات متلاحقة في الأيام التالية، تؤكد أن ما يحدث ليس حادثًا عرضيًا، بل مأساة متكررة، تتغذى على الإهمال، وتستقوي بالبرد والعزلة.

تويسيت وما جاورها ليست مجرد نقطة عبور، بل فخ مفتوح في وجه اليائسين. تضاريس قاسية، درجات حرارة قاتلة، ومسافات شاسعة بلا بشر ولا أثر للحياة. في هذه الجبال، يتحول الاحتماء بين الصخور إلى وهم، ويصبح الصقيع حكمًا نهائيًا لا يقبل الطعن.

هذه المأساة تضع الجميع أمام مسؤولية أخلاقية لا تقبل التأجيل. فالهجرة غير النظامية ليست فقط ملفًا أمنيًا، بل جرح إنساني مفتوح، ينزف كل شتاء. المقاربات الحالية، مهما بلغت صرامتها، أثبتت عجزها عن حماية الأرواح، بل دفعت المزيد منها إلى طرق أشد خطورة، حيث لا صوت يعلو فوق صوت الموت.

ما يحدث في الشرق المغربي ليس خبرًا عابرًا، بل إنذار صارخ. إنذار بأن تجاهل البعد الإنساني، وغياب آليات الإنقاذ الاستباقي، يتركان الجبال لتقوم بالدور القذر بدل البشر. وفي صمت تلك المرتفعات، تبقى آثار أقدام توقفت فجأة، شاهدة على رحلات انكسرت في منتصف الطريق، وعلى أحلام دفنتها الثلوج قبل أن ترى الضفة الأخرى.

بقلم: سيداتي بيدا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *