ماروك24ميديا ؟
في الأوقات العادية، يُعدّ الاحتفال حقًا مشروعًا، بل ضرورة نفسية تُجدّد صلة الإنسان بالحياة. غير أنّ هذا الحق يفقد براءته حين يُمارَس فوق جراح لم تندمل، وحين تُرفع المنصّات فيما البيوت المفجوعة لم ترفع بعدُ سوادها عن النوافذ. هنا، لا يعود السؤال فنيًا ولا تنظيميًا، بل أخلاقيًا بامتياز: هل يجوز للفرح أن يُدار بظهره للألم؟
ما يجري اليوم ليس نقاشًا حول مهرجان أو حفلة، بل مواجهة صريحة مع معنى الثقافة ودورها زمن الانكسار الجماعي.
حين تتوالى الفواجع، وتسقط الأرواح في آسفي وفاس وغيرها، يصبح الإصرار على الاحتفال، دون وقفة حقيقية، نوعًا من العنف الرمزي، واستهانة بوجدان عام مثقل بالخسارات. ليست المشكلة في الموسيقى، بل في التوقيت، وليس في الفن، بل في العمى الأخلاقي الذي قد يرافقه.
مقاطعة جمهور سوس لفعاليات مهرجان تيميتار لم تكن نزوة عاطفية، ولا عداءً للفرح أو للفن. كانت موقفًا واعيًا، صامتًا لكنه بالغ القسوة في رسالته. لقد قال الناس، دون شعارات، إن الثقافة لا تُمارَس في فراغ، وإن الفن حين ينفصل عن سياقه الإنساني يتحوّل إلى زينة باردة، بلا روح ولا معنى.
ما يثير القلق أكثر هو هذا الاعتياد المتزايد على إدارة الحزن بمنطق الأجندة: أيام معدودة للحداد، بيانات جاهزة للتعاطف، ثم عودة سريعة إلى الضجيج.
هذا السلوك لا يدلّ على قوة المجتمع، بل على تآكل حساسيته الأخلاقية. فالأوطان لا تُقاس فقط بقدرتها على الاستمرار، بل بقدرتها على التوقّف، حين يستدعي الألم ذلك التوقّف.
إنّ دقيقة صمت في افتتاح مهرجان، يتبعها صخب الأضواء والرقص، ليست وفاءً للضحايا، بل تسوية شكلية مع الضمير. المطلوب ليس إعلان الحرب على الفرح، ولا تجميد الحياة، بل إعادة ترتيب الأولويات: أن يتقدّم الإنسان على الصورة، وأن تتقدّم الكرامة على البرمجة الفنية، وأن يُحترم الوجع قبل الترويج.
مقاطعة جمهور سوس كانت صفعة أخلاقية هادئة، لكنها موجعة في معناها. وضعت المنظّمين والسلطات والنخب الثقافية أمام سؤال لا يمكن الهروب منه: أيّ ثقافة نريد؟ ثقافة تُجيد الرقص فوق الركام، أم ثقافة تعرف متى تُخفض الصوت احترامًا للغياب؟
في النهاية، لا يُقاس نضج المجتمعات بعدد مهرجاناتها ولا بحجم منصّاتها، بل بقدرتها على الإصغاء لوجعها الداخلي. حين يُطفئ الحداد أضواء المهرجانات، لا يُطفئ الحياة، بل يُعيد إليها معناها الحقيقي.
بقلم: سيداتي بيدا