الرئيسية / الرئيسية / حين تصرخ المبادرة ويُفضَح الصمت: فيضانات آسفي تُسقِط الأقنعة بلا رحمة

حين تصرخ المبادرة ويُفضَح الصمت: فيضانات آسفي تُسقِط الأقنعة بلا رحمة

ماروك24ميديا

عندما تهطل الأمطار، لا تغرق الشوارع وحدها… بل تغرق معها الأكاذيب، وتسقط الأقنعة، ويظهر العُري الكامل لمن اعتادوا الاختباء خلف البلاغات والوعود الفارغة. فيضانات آسفي لم تكن “تقلبات جوية” ولا “حادثًا عرضيًا”، بل كانت محكمة مفتوحة في الهواء الطلق، أدانت التخطيط، وفضحت التدبير، وعرّت واقعًا هشًّا حاولت الشعارات طمس ملامحه لسنوات.

ما وقع في آسفي لم يكن مفاجئًا لمن يعرف المدينة جيدًا. المفاجئ فقط هو حجم السقوط… وسرعة الانكشاف. أحياء كاملة غرقت، بيوت فُتحت أبوابها للماء بدل الأمان، وأسر وجدت نفسها في مواجهة الكارثة وحدها، بلا حماية، بلا إنذار، وبلا بنية تحتية تستحق هذا الاسم.

في قلب هذا الخراب، حيث اختنق الناس بالطين والصمت، ارتفع صوت واحد بالفعل لا بالكلام. الناشط البيئي سعد عبيد لم ينتظر لجنة، ولا بلاغًا، ولا ضوءًا أخضر من أحد. تحرك. بادر. وجمع 45 مليون سنتيم لفائدة المتضررين. لم تكن صدقة موسمية، بل صفعة أخلاقية مدوية في وجه عجز مؤسساتي مزمن، ودليلًا قاطعًا على أن الضمير الحي ما زال أقوى من ميزانيات تُهدر ومشاريع تُشيَّد بلا روح ولا جدوى.

أي مفارقة أكثر فجاجة من هذه؟

مدينة صُرفت عليها الملايير، شُيّدت فيها ملاعب ومنشآت احتُفي بها في الصور والخطب، لكنها انهارت عند أول اختبار حقيقي. طرقات تحولت إلى أنهار، قنوات صرف كشفت إفلاسها، ومرافق عمومية سقطت كما تسقط أوراق الدعاية تحت المطر. أي تنمية هذه التي تتباهى بالإسمنت وتنسى الإنسان؟

فيضانات آسفي لم تكشف فقط هشاشة البنية التحتية، بل كشفت ما هو أخطر:

غياب رؤية استباقية، غياب محاسبة، وغياب إحساس بالمسؤولية. كشفت أن التنمية، حين تُختزل في الواجهة، تتحول إلى خطر يهدد حياة الناس بدل أن يحميهم.

في المقابل، أثبتت هذه الفاجعة أن المجتمع المدني، حين يتحرك بصدق وبوصلة أخلاقية، قادر على سد فراغ تركته سياسات مرتجلة وتدبير لا يسمع إلا صدى نفسه. مبادرة سعد عبيد لم تُنقذ فقط متضررين، بل أنقذت معنى التضامن في زمن صار فيه الفعل أندر من الكلام.

لكن لنتفق بوضوح:

التبرعات لا تبني مدنًا، والمبادرات الفردية لا يجب أن تتحول إلى بديل دائم عن الدولة. ما حدث في آسفي إنذار أحمر، لا يقبل التجميل ولا التسويف. إنذار يطالب بإعادة ترتيب الأولويات، وبقرارات شجاعة، وبربط حقيقي بين المسؤولية والمحاسبة، لا في الشعارات بل في الواقع.

آسفي لا تحتاج إلى صور افتتاح ولا إلى خطب منمقة.

آسفي تحتاج إلى بنية تحتية تحمي الحياة، لا إلى مشاريع تلمّع

بقلم: سيداتي بيدا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *