الرئيسية / الرئيسية / إضراب المحامين بالمغرب… عندما يجد المواطن نفسه بين مطرقة القانون وفراغ الدفاع

إضراب المحامين بالمغرب… عندما يجد المواطن نفسه بين مطرقة القانون وفراغ الدفاع

إضراب المحامين بالمغرب… عندما يجد المواطن نفسه بين مطرقة القانون وفراغ الدفاع

بقلم: سوجاع أحمد

إلى متى يستمر المواطن في أداء ثمن أزمة ليست له فيها ناقة ولا جمل؟

في دولة يفترض أن يكون فيها القانون ملاذاً للمواطن، وأن تكون العدالة حقاً مكفولاً للجميع، يجد عدد من المتقاضين أنفسهم اليوم أمام سؤال بالغ الحساسية: كيف يمكن للمواطن أن يدافع عن حقوقه أمام القضاء عندما يغيب الجسم المهني الذي يمثل الدفاع؟

السؤال ليس موجهاً ضد المحامين، ولا يمس مشروعية مطالبهم المهنية، كما أنه لا ينحاز إلى جهة ضد أخرى في الخلاف القائم حول قانون مهنة المحاماة رقم 66.23، وإنما يضع في صلب النقاش طرفاً قد يكون الأقل قدرة على التأثير في هذا الصراع: المواطن المتقاضي.

فالمواطن لا يملك سلطة التشريع، ولا يملك قرار الإضراب، ولا يملك القدرة على تحديد موعد انتهاء الأزمة. لكنه يملك حقاً دستورياً في الوصول إلى العدالة، وفي الدفاع عن حقوقه ومصالحه.

الدستور واضح: حقوق الدفاع ليست امتيازاً

ينص الفصل 118 من دستور المملكة على أن حق التقاضي مضمون لكل شخص للدفاع عن حقوقه وعن مصالحه التي يحميها القانون.

أما الفصل 120، فيقرر بصورة أكثر وضوحاً أن لكل شخص الحق في محاكمة عادلة، وفي حكم يصدر داخل أجل معقول، وأن حقوق الدفاع مضمونة أمام جميع المحاكم.

وهنا تطرح الإشكالية نفسها بقوة:

ماذا يحدث عندما يكون المواطن أمام جلسة قضائية، بينما دفاعه غير حاضر بسبب توقف مهني شامل؟

هل يكفي أن تكون المحكمة مفتوحة حتى نقول إن مرفق العدالة يعمل بصورة طبيعية؟

أم أن العدالة لا تكتمل بمجرد فتح أبواب المحكمة، وإنما تحتاج أيضاً إلى توفير الشروط التي تمكن المتقاضي من ممارسة حقه في الدفاع بصورة فعلية؟

إن الفصل 117 من الدستور يجعل القاضي مسؤولاً عن حماية حقوق الأشخاص والجماعات وحرياتهم وأمنهم القضائي وتطبيق القانون. وبالتالي فإن النقاش لا يتعلق فقط بحق المحامي في ممارسة مهنته أو الاحتجاج، وإنما أيضاً بمسؤولية المؤسسات القضائية في ضمان حقوق المتقاضين أثناء هذه المرحلة الاستثنائية.

المواطن لا يجب أن يتحول إلى ضحية للنزاع المؤسساتي

المحاماة مهنة أساسية في تحقيق العدالة، واستقلالها وضمانات ممارستها موضوع مشروع للنقاش المؤسساتي.

لكن في المقابل، فإن المتقاضي ليس طرفاً في الخلاف بين الحكومة وهيئات المحامين.

قد يكون أمامه ملف استعجالي، أو معتقل ينتظر البت في وضعيته، أو دعوى ترتبط بمصلحة مالية أو اجتماعية أو أسرية لا تحتمل الانتظار.

وقد تكون هناك آجال قانونية للطعن أو الاستئناف أو تقديم دفوع ومستندات.

وفي بعض الحالات، قد يؤدي التأخير إلى أضرار يصعب إصلاحها لاحقاً.

وهنا يظهر سؤال العدالة الحقيقي:

من يتحمل تبعات التأخير الذي لم يتسبب فيه المواطن؟

فإذا كان الدستور يتحدث عن الحكم داخل أجل معقول، فإن حماية هذا الحق لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد مبدأ نظري، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمواطن قد تتوقف مصالحه أو حريته أو حقوقه على إجراء قضائي في موعد محدد.

هل كل محاكمة تجري في غياب المحامي باطلة؟

هذا من أكثر الأسئلة التي يطرحها المواطن اليوم.

والجواب القانوني الدقيق هو: ليس بالضرورة.

فليس كل ملف قضائي يخضع لنفس القواعد، وليس حضور المحامي إلزامياً بالدرجة نفسها في جميع أنواع القضايا والمراحل.

وفي المادة الجنائية تحديداً، يضع قانون المسطرة الجنائية ضمانات مهمة لحقوق الدفاع. ومن ذلك أن المتهم المعتقل أمام قاضي التحقيق يحق له الاتصال بمحاميه، وأن حضور المحامي له أهمية خاصة أثناء مراحل التحقيق والاستنطاق والمواجهة، وفق الشروط التي يحددها القانون. كما أن النصوص الإجرائية تنظم الحالات التي يمكن فيها استمرار الإجراءات رغم عدم حضور الدفاع، والحالات التي يكون فيها حضور الدفاع ضمانة أساسية.

لذلك، لا يمكن إصدار حكم عام بالقول إن كل حكم صدر أثناء إضراب المحامين هو حكم باطل.

لكن السؤال الأخطر هو:

هل احترمت في كل محاكمة بعينها جميع ضمانات الدفاع التي يفرضها القانون؟

وهنا يكمن الفرق بين القول ببطلان المحاكمة تلقائياً، وبين الحق في الطعن في إجراء قضائي معين إذا ثبت أن غياب الدفاع أدى إلى المساس بحقوق الدفاع التي يحميها الدستور والقانون.

بين “استمرارية المرفق القضائي” و”حق الدفاع”

أفرزت الأزمة الحالية جدلاً قانونياً حقيقياً حول كيفية تحقيق التوازن بين مبدأين أساسيين:

استمرارية المرفق القضائي من جهة، وضمانات المحاكمة العادلة وحقوق الدفاع من جهة أخرى.

وقد برز هذا النقاش بشكل واضح في قرارات قضائية صدرت خلال فترة توقف المحامين عن العمل، حيث اعتبرت إحدى محاكم الاستئناف أن استمرار البت في القضايا يرتبط أيضاً بمبدأ استمرارية المرفق العام، في مقابل استمرار النقاش حول مدى تأثير غياب الدفاع على ضمانات المحاكمة العادلة.

وهذا يطرح سؤالاً يستحق نقاشاً وطنياً عميقاً:

هل يمكن أن تكون استمرارية المرفق القضائي كاملة إذا كان أحد عناصر المحاكمة العادلة غير متاح فعلياً للمتقاضي؟

الجواب ليس بسيطاً، ولا ينبغي أن يكون سياسياً.

إنه سؤال قانوني ودستوري يحتاج إلى اجتهاد قضائي واضح، وإلى حلول مؤسساتية عاجلة.

ماذا عن الملفات الاستعجالية؟

هناك ملفات لا تحتمل الانتظار.

مواطن ينتظر أمراً استعجالياً.

أسرة تنتظر قراراً قضائياً.

شخص معتقل ينتظر البت في وضعيته.

مقاولة تخشى ضياع حق مالي.

وطرف يخشى انتهاء أجل قانوني لممارسة الطعن.

في مثل هذه الحالات، لا يمكن التعامل مع الزمن باعتباره مجرد تفصيل إداري.

فالوقت في القضاء قد يكون جزءاً من الحق نفسه.

ولهذا ربط الدستور بين العدالة وبين صدور الحكم داخل أجل معقول، كما أن النصوص المنظمة للسلطة القضائية تؤكد ضرورة احترام الآجال والضمانات المسطرية.

الحل ليس في تحميل المواطن ثمن الأزمة

إذا كان الحوار بين الدولة والمحامين قد وصل إلى مرحلة من التعقيد جعلت جمعية هيئات المحامين تتمسك بمواصلة التوقف عن تقديم الخدمات المهنية، فإن استمرار الوضع دون آلية لحماية المتقاضين يفتح الباب أمام أزمة أخرى: أزمة الثقة في العدالة.

فالمواطن عندما يدخل المحكمة لا ينبغي أن يسأل:

هل سيحضر المحامي؟

هل ستؤجل القضية؟

هل سينتهي الأجل؟

هل سيضيع حقي بسبب إضراب لا علاقة لي به؟

هل يمكن أن تتم محاكمتي دون دفاع؟

هل سيكون الحكم صحيحاً إذا لم أتمكن من تقديم دفوعي؟

هذه الأسئلة لا ينبغي أن تبقى معلقة.

المطلوب: آلية وطنية لحماية المتقاضين

الحل ليس بالضرورة في إنهاء احتجاج المحامين بالقوة، ولا في ترك المواطن ينتظر إلى أجل غير معلوم.

الحل يمكن أن يكون في تدبير مؤسساتي استثنائي ومؤقت يضع مصلحة المتقاضي في المقدمة، من خلال:

– تحديد واضح للملفات التي لا تحتمل التأخير.

– ضمان حضور الدفاع في الحالات التي يجعل القانون حضوره إلزامياً.

– توفير آليات للمساعدة القضائية والدفاع عند الضرورة.

– عدم ترتيب أي ضرر مسطري على المواطن بسبب تعذر حضور دفاعه لأسباب خارجة عن إرادته.

– تمكين الأطراف من آجال إضافية عندما يكون عدم حضور الدفاع قد أثر فعلياً على إعداد الملف.

– توحيد التوجه القضائي بشأن كيفية التعامل مع الجلسات أثناء هذه المرحلة لتفادي تضارب الاجتهادات.

– إيجاد آلية سريعة لاستقبال شكايات المتقاضين الذين يعتبرون أن حقهم في الدفاع قد تعرض للمساس.

والأهم من ذلك كله: فتح حوار مؤسساتي حقيقي ينهي حالة الفراغ ويعيد المحامي إلى مكانه الطبيعي داخل منظومة العدالة.

“إلى متى؟”… سؤال المواطن

المواطن المغربي لا يريد أن يكون طرفاً في معركة بين المؤسسات.

لا يريد أن ينتصر المحامي على الحكومة، ولا الحكومة على المحامي.

إنه يريد فقط أن يعرف أن حقه محفوظ.

يريد أن يدخل المحكمة وهو مطمئن إلى أن قضيته ستنظر فيها هيئة قضائية مستقلة، وأنه سيحظى بفرصة حقيقية لتقديم دفاعه، وأن الحكم سيصدر داخل أجل معقول، وأن أي خلل مسطري لن يتحول إلى ضياع لحقه.

إن استقلال المحاماة مطلب أساسي، لكن استقلال القضاء وحقوق الدفاع وحق المواطن في الولوج إلى العدالة هي أيضاً ثوابت دستورية.

ومن هنا فإن الأزمة الحالية لا ينبغي أن تنتهي بمجرد عودة المحامين إلى قاعات المحاكم.

بل يجب أن تكون مناسبة لطرح سؤال أكبر:

كيف نبني منظومة عدالة لا يدفع المواطن فيها ثمن الخلافات المهنية والمؤسساتية؟

فالقانون يجب أن يحمي المواطن، والمحكمة يجب أن تكون ملاذه، والمحامي يجب أن يكون شريكه في الدفاع عن حقوقه.

أما أن يجد المواطن نفسه بين مطرقة القانون وسندان غياب الدفاع، فذلك وضع لا ينبغي أن يستمر.

إلى متى؟

السؤال اليوم لم يعد سؤال المحامين وحدهم، ولا سؤال وزارة العدل وحدها.

إنه سؤال المواطن المغربي.

ومصلحة العدالة تقتضي أن يكون الجواب مؤسساتياً، قانونياً، وعاجلاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *