بين صمت الرباط وصخب مدريد حين تتقدم أسعار الوقود على كرامة الإنسان
بقلم/ سيداتي بيدا
في الأزمات الكبرى لا تُقاس الحكومات بعدد البلاغات التي تصدرها، بل بسرعة حضورها في وجدان مواطنيها. وعندما تهتز الحدود، وتتحول أمواج البحر إلى مسرح لمآسٍ إنسانية، يصبح الصمت موقفًا سياسيًا بقدر ما يصبح الكلام مسؤولية أخلاقية.
في الجانب الإسباني، بدا المشهد السياسي حاضرًا في النقاش العام، حيث خرج المسؤولون للتفاعل مع التطورات وتقديم مواقفهم للرأي العام. أما في المغرب، فقد انشغل الرأي العام بمتابعة الأخبار عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، وسط مطالب متزايدة بتواصل رسمي أكثر وضوحًا واطمئنانًا مع المواطنين بشأن الأحداث وتداعياتها.
وفي خضم هذه المشاهد، لا يمكن تجاهل الجانب الإنساني الأكثر إيلامًا. فهناك أسر تنتظر خبرًا يبدد القلق، وأمهات يواجهن مرارة الفقد أو الغياب، وعائلات تعيش بين الأمل واليأس وهي تبحث عن مصير أبنائها. إنها لحظات لا تُقاس بالأرقام، بل بحجم الألم الذي تتركه في البيوت والقلوب.
وفي الضفة الأخرى، تداولت وسائل إعلام وشهادات متفرقة صورًا ومقاطع أثارت جدلًا واسعًا بشأن تعرض بعض المهاجرين لمعاملات مهينة أو اعتداءات لفظية وجسدية، وهي ممارسات، إن ثبتت، تبقى مرفوضة إنسانيًا وقانونيًا، لأن كرامة الإنسان لا ينبغي أن ترتبط بجنسيته أو وضعه القانوني.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح ليس من أخطأ أولًا، بل: أين الخطاب الذي يواسي، ويشرح، ويطمئن، ويؤكد أن الدولة حاضرة إلى جانب مواطنيها في أوقات الشدة؟ فإدارة الأزمات لا تقوم فقط على التدابير الأمنية أو الاقتصادية، وإنما كذلك على التواصل المسؤول واحترام حق المواطنين في المعلومة.
وفي الوقت الذي يستمر فيه الجدل حول ملفات اقتصادية، من بينها أسعار المحروقات وتكاليف المعيشة، يشعر كثير من المواطنين بأن الأولويات التي تؤرقهم تتجاوز لغة الأرقام، لتلامس قضايا الكرامة وفرص العيش والهجرة واليأس الذي يدفع بعض الشباب إلى المجازفة بحياتهم في البحر. فهذه المآسي لا يمكن اختزالها في نقاش مالي أو إداري، لأنها تعكس تحديات اجتماعية وإنسانية عميقة.
والمفارقة التي يلتقطها الشارع بسخرية مرة، أن بعض الخطابات الانتخابية تعود في كل استحقاق وهي تعد بالأمل ذاته، فيما تتكرر الأسئلة نفسها: ماذا تغير؟ وهل يكفي طلب الثقة مرة بعد أخرى دون تقديم إجابات مقنعة عن هموم الناس؟
إن الدول تُبنى بثقة مواطنيها قبل أي شيء آخر، والثقة لا تُفرض بالشعارات، بل تُكتسب بالفعل، والإنصات، والشفافية، وتحمل المسؤولية. أما حين يشعر المواطن بأن صوته لا يُسمع إلا في موسم الانتخابات، فإن الفجوة بين المجتمع والسياسة تتسع، وتصبح استعادتها اكثر كلفة من اي اصلاح اقتصادي
فالانسان في نهاية المطاف ليس رقما في تقرير ولا بندا في مزانية ولا ورقة اقتراع تستدعي كل بضع سنوات بل هو الغاية التي من اجلها وجدت السياسات العامة واول معيار تقاس بها الدول ونبل مؤسساتها .