الخميسات.. بعض الكراسي حضرت أكثر
من أصحابها
صباح الخميس، بدت قاعة الدورة العادية لشهر ماي بجماعة الخميسات وكأنها صورة مصغرة عن المدينة نفسها.
وجوه متعبة، ملفات تتكدس فوق الطاولات، ميكروفونات تشتغل أكثر مما تصغي، وأيد ترتفع بسرعة للموافقة، بينما خارج القاعة هناك مواطنون ما تزال أيديهم مرفوعة منذ سنوات طلبا لطبيب، أو فرصة شغل، أو مقعد جامعي، أو فضاء ثقافي يعيد للمدينة شيئا من روحها.
بدأت الدورة كأي دورة عادية، لكن التفاصيل الصغيرة كانت تقول شيئا آخر.
عضو منشغل بهاتفه أثناء النقاش، آخر يغادر قبل نهاية الأشغال، وبعض الكراسي بقيت فارغة منذ البداية كأن المدينة يمكن أن تدار بنصف حضور ونصف اهتمام.
الأغلبية والمعارضة ناقشوا عددا من الاتفاقيات والشراكات والتحويلات المالية، خاصة تلك المرتبطة بالجمعيات الرياضية والمشاريع ذات الطابع الرياضي.
كان واضحا منذ اللحظات الأولى أن الرياضة تتصدر المشهد داخل أولويات الجماعة، سواء في حجم النقاش أو الدعم أو الشراكات.
وفي لحظة بدت كأنها إعلان عن الطريق الذي اختارته المدينة لنفسها، أعلن رئيس الجماعة أن الخميسات ستحتضن مدرسة لكرة القدم.
داخل القاعة ظهرت علامات الرضا على بعض الوجوه، فالفكرة تحمل الأمل لشباب يبحث عن نافذة يهرب منها من البطالة والفراغ.
لكن وسط كل هذا الحماس، كان هناك سؤال يتجول بصمت بين المقاعد:
وماذا عن الثقافة؟
المسرح غائب عن المدينة كأنه آخر من بقي يتذكره أحد.
السينما مجرد حكاية قديمة.
الشعر والقصة والفن يعيشون في الهامش، كأن الثقافة أصبحت عبئا إضافيا لا أولوية له.
الخميسات التي أنجبت مبدعين وفنانين وكتابا، بدت في هذه الدورة وكأنها تختار صوت المدرجات أعلى من صوت المسرح، وتمنح العشب الأخضر مساحة أكبر من رفوف الكتب.
حتى النقاط المرتبطة بقطاع الصحة مرت بسرعة باردة.
تم التصويت عليها بالإجماع دون نقاش عميق يليق بقطاع يعيش المواطن داخله معاناة يومية ثقيلة.
لا أحد توقف طويلا عند المراكز الصحية التي تئن تحت الضغط.
لا أحد تحدث بما يكفي عن القرى التي يقطع سكانها مسافات طويلة من أجل العلاج.
ولا عن الصحة النفسية التي تترك غالبا في الظل رغم اتساع الحاجة إليها.
داخل القاعة كانت الأيدي ترتفع للموافقة
وخارجها كان المرضى يرفعون أيديهم منذ سنوات طلبا للإنصات.
ورغم ذلك، لم تكن الدورة خالية من أصوات ما تزال تملك غيرة حقيقية على المدينة.
كانت هناك تدخلات تحمل قلقا واضحا على قضايا الشباب والتعليم والصحة، وأعضاء حاولوا أن يكونوا في مستوى الثقة التي وضعتها فيهم الساكنة، بعيدا عن الحضور الشكلي أو الصمت المريح.
ومن أكثر اللحظات التي كسرت رتابة الجلسة، إثارة ملف النواة الجامعية بالخميسات، إلى جانب قضية طالب من أبناء المدينة تم طرده من جامعة ابن طفيل، مع دعوة لرئيس الجامعة لإعادة النظر في وضعيته وتمكينه من العودة إلى الدراسة.
ساد للحظة نوع من الصمت داخل القاعة.
ذلك الصمت الذي يشبه اعترافا غير معلن بأن المدينة ما تزال بعيدة عن تحقيق أبسط ما يحتاجه شبابها.
فطلبة الخميسات لا يحتاجون فقط إلى كلمات الدعم في المناسبات.
يحتاجون إلى مأوى يحفظ كرامتهم داخل المدن التي يدرسون بها.
إلى أحياء جامعية، وإلى نقل، وإلى ظروف تجعل الدراسة حقا لا معركة يومية مع الغربة والكراء والضغط.
وشباب المدينة عموما لا يبحثون فقط عن ملاعب جديدة، رغم أهميتها، بل عن فرص شغل تمنحهم سببا للبقاء داخل مدينتهم بدل الهجرة الصامتة نحو مدن أخرى أو نحو اليأس.
وخلال الدورة أيضا، جاء حضور ممثلي إدارة السجن المحلي بالخميسات مختلفا عن باقي اللحظات، حيث قدموا شروحات حول ورش العقوبات البديلة باعتباره ورشا ملكيا يسعى إلى إعادة إدماج الإنسان ومنح العدالة بعدا أكثر إنسانية.
بعض الأعضاء تابعوا الموضوع باهتمام وطرحوا أسئلة دقيقة، بينما اختار آخرون مغادرة القاعة قبل نهاية الدورة، وكأن قضايا المدينة يمكن تأجيلها إلى موعد آخر.
وربما أكثر ما كان قاسيا في المشهد تلك الكراسي الفارغة.
كراسي منتخبين ظهروا بقوة أيام الحملات الانتخابية، اقتربوا من الناس، تحدثوا عن المواطن، وطلبوا الثقة باسم الدفاع عن قضايا المدينة.
لكن حين جاءت لحظة الحضور الحقيقي، اختفى بعضهم حتى عن مجرد الجلوس داخل القاعة.
أي معنى للتمثيل إذا كان المنتخب لا يستطيع حضور دورة تخص الساكنة؟
وأي رسالة تصل للشباب حين يرون أن بعض الوعود تنتهي مباشرة بعد الوصول إلى الكرسي؟
الخميسات اليوم لا تحتاج فقط إلى ملاعب جديدة.
تحتاج إلى توازن.
تحتاج إلى مسرح يعيد للمدينة صوتها.
إلى فضاءات ثقافية تحفظ ذاكرتها.
إلى سينما ومكتبات وملتقيات أدبية.
إلى تسريع مشروع نواة جامعية تليق بأبناء المنطقة.
إلى حلول تحفظ كرامة الطلبة في المدن التي يدرسون بها.
إلى فرص شغل توقف هذا النزيف الصامت.
إلى نقاش حقيقي حول الصحة، لا مجرد تصويت سريع بالأغلبية.
حين أطفئت الميكروفونات وغادر الجميع القاعة، بقيت الخميسات وحدها هناك
مدينة تحمل كرة تحت ذراع، بينما يسقط منها كتاب بصمت، ويبحث شبابها عن فرصة كي لا يسقطوا هم أيضا.
– لطيفة بنعاشير.