عندما يُخنق الحرفي بين مطرقة الغلاء وسندان الضمان الاجتماعي… من ينقذ ما تبقى من الحرفة؟
بقلم / سيداتي بيدا
في مدينة الدار البيضاء، لم تكن مداخلة الأستاذ سيداحمد بياي مجرد كلمة عابرة داخل لقاء سياسي نظم لفائدة التجار والحرفيين من طرف حزب التجمع الوطني للأحرار، بل كانت بمثابة جرس إنذار قوي يقرع أبواب واقعٍ يتآكل بصمت، ويُدفع فيه الحرفي المغربي إلى الهامش دون رحمة.
ما طُرح لم يكن خطابًا عاطفيًا، بل تشخيصًا حادًا لخلل بنيوي يزداد عمقًا: فئة كاملة تُطلب منها المستحيلات. كيف يُفرض على صانع تقليدي، يعيش على دخل غير مستقر ومتقلب، أن يلتزم بأداءات شهرية ثابتة في نظام للضمان الاجتماعي لا يراعي هشاشة وضعيته الاقتصادية؟ أي عدالة هذه التي تُساوي بين غير المتساويين؟
الأستاذ بياي لم يُجمّل الواقع. قالها بوضوح يقطع مع المجاملة: الحرفي اليوم لا يُصارع السوق فقط، بل يُصارع منظومة كاملة تضغط عليه من كل الاتجاهات؛ ارتفاع مهول في أسعار المواد الأولية، تراجع القدرة الشرائية، وانعدام الاستقرار المهني… وفي النهاية يُطلب منه أن “ينخرط” وكأن الأمر اختيار سهل، لا عبئًا يهدد استمراره.
الأخطر من ذلك أن هذا القطاع، الذي يشكل أحد أعمدة الاقتصاد غير المهيكل وحارسًا لذاكرة وهوية المغرب، يُعامل وكأنه هامش قابل للتجاهل. بينما الحقيقة الصادمة هي أن انهياره يعني خسارة صامتة لجزء كبير من النسيج الاجتماعي والاقتصادي.
ومن هنا جاءت الدعوة التي حملها بياي بلهجة لا تقبل التأويل: ضرورة إعادة النظر جذريًا في طريقة إدماج الحرفيين داخل منظومة الحماية الاجتماعية، بما في ذلك طرح فكرة معالجة أو مسح الديون المتراكمة التي باتت تثقل كاهلهم وتدفع الكثيرين إلى حافة التخلي النهائي عن مهنتهم.
هذه ليست مطالبة امتيازية، بل صيحة عقلانية في وجه واقع مختل. فحين يتحول النظام من وسيلة حماية إلى عبء طارد، يصبح الإصلاح ضرورة لا خيارًا.
إن ما يجري اليوم يتجاوز مجرد إشكال تقني في التغطية الاجتماعية، ليطرح سؤالًا أكبر وأكثر إلحاحًا: هل نريد فعلاً الحفاظ على الحرف التقليدية كرافعة اقتصادية وثقافية، أم نتركها تتلاشى تحت ضغط سياسات لا ترى إلا الأرقام؟
الرسالة التي خرجت من ذلك اللقاء واضحة وقاسية في آن واحد: استمرار التعامل مع الحرفي بمنطق جامد ومجرد من الحس الواقعي لن يؤدي إلا إلى نتيجة واحدة… انهيار تدريجي لفئة كانت يومًا من أعمدة الاقتصاد المغربي غير المرئي.
إنها لحظة مراجعة حقيقية، قبل أن يتحول الصمت إلى فقدان، والفقدان إلى لا عودة.