حين تتحول الكاميرا إلى أداة تشويه… من يحمي تجار المدينة العتيقة بفاس؟
بقلم: سوجاع أحمد
في زمن أصبحت فيه الكاميرا المحمولة في الهاتف قادرة على صناعة محتوى ينتشر في دقائق عبر منصات التواصل الاجتماعي، يطرح سؤال جوهري نفسه بإلحاح: أين تنتهي حرية صناعة المحتوى، وأين تبدأ كرامة الناس وحقوقهم؟
في المدينة العتيقة لفاس، حيث تتقاطع ذاكرة التاريخ مع نبض التجارة التقليدية، أصبح بعض التجار يواجهون ظاهرة مقلقة. يدخل شخص يحمل كاميرا إلى محل تجاري، يتحدث مع التاجر، يسجل الحوار والصورة، ثم يغادر ليحول ذلك المشهد إلى مادة رقمية ينشرها على حساباته، محققًا منها أرباحًا عبر الإعلانات أو المشاهدات أو التعاونات التجارية.
لكن المشكلة تبدأ عندما يطلب التاجر أبسط حقه: احترامه واحترام محله. أحيانًا يطلب فقط أن يشتري الزائر شيئًا بسيطًا مقابل الوقت الذي أخذه منه، أو على الأقل أن يستأذن قبل تصويره ونشر صورته. غير أن المفارقة المؤلمة هي أن هذا الطلب البسيط يُقدَّم لاحقًا في بعض الفيديوهات على أنه “ابتزاز” أو “طلب مال”، فيتحول التاجر من صاحب حق إلى متهم في أعين المتابعين.
إن التاجر في المدينة العتيقة ليس ممثلًا في مسرح مفتوح، ولا هو جزء من سيناريو معد مسبقًا لصناعة محتوى رقمي. هو إنسان يعمل ساعات طويلة داخل محله، يعرض سلعته بكرامة، ويعتمد على بيع منتوجه لكسب قوت يومه. حين يدخل شخص إلى متجره بكاميرا، يسجل حديثه، ويغادر دون شراء شيء، ثم ينشر الفيديو محققًا منه أرباحًا، فإن ذلك يطرح سؤالًا أخلاقيًا قبل أن يكون قانونيًا.
التاجر الفاسي، كما غيره من التجار، لا يحتاج إلى “إشهار مفروض” ولا إلى تصوير غير متفق عليه. وإن قبل بذلك أحيانًا، فهو يفعل ذلك بدافع حسن النية والترحيب بالزوار. لكن عندما تتحول الكاميرا إلى وسيلة لتشويه صورة التجار أو تقديمهم بصورة سلبية أمام آلاف المتابعين، فإن الأمر يتجاوز حدود صناعة المحتوى ليصل إلى المساس بسمعة مدينة كاملة.
فاس ليست مجرد فضاء سياحي يُستعمل لإنتاج الفيديوهات، بل هي مدينة لها تاريخ عريق وتجارها جزء من هويتها الاقتصادية والثقافية. والتاجر الذي يفتح باب متجره للسائح يفعل ذلك بروح الضيافة المغربية المعروفة، وليس ليصبح مادة رقمية تُستغل دون إذنه.
لذلك يطرح السؤال نفسه بقوة:
من يحمي التاجر الصغير من هذا النوع من الاستغلال؟
ومن يضع حدودًا أخلاقية وقانونية لاستخدام صور الناس ومحلاتهم في المحتوى الرقمي؟
إن حماية صورة المدينة العتيقة بفاس تمر أيضًا عبر حماية كرامة تجارها. فالسياحة الحقيقية لا تقوم على افتعال الجدل ولا على تشويه الواقع، بل على الاحترام المتبادل بين الزائر وأهل المكان.
وفي النهاية، تبقى الكاميرا أداة يمكن أن تبني صورة جميلة عن المدن والثقافات، كما يمكن أن تتحول – إذا استُعملت بسوء نية – إلى وسيلة للتشويه والإساءة. وبين هذا وذاك، يبقى التاجر الفاسي يستحق شيئًا واحدًا فقط: الاحترام