فاس بين نبضها التاريخي وقرارات تُهدّد توازنها
بقلم: سوجاع أحمد
تعيش ساكنة فاس، وخاصة تجارها وصنّاعها التقليديين، إلى جانب سكان مقاطعات فاس المدينة والمرينيين وجنان الورد، على وقع حالة من الاستنكار المتزايد بسبب ما يُوصف بتسيير فوضوي وغير عقلاني للشأن المحلي. قرارات يُخشى أن تمسّ العمق الاقتصادي والاجتماعي لمدينة عريقة ظلّت عبر قرون نموذجًا للتوازن بين الأصالة والحركية التجارية.
إن مشروع نقل المحطة الطرقية من منطقة بوجلود، التي تُعدّ نقطة حيوية في قلب المدينة، إلى منطقة بعيدة عن النسيج السكني والتجاري والثقافي، يطرح أكثر من علامة استفهام. فالمحطة الطرقية ليست مجرد مرفق للنقل، بل هي شريان حياة يغذي الحركة الاقتصادية، ويضمن تدفّق الزبائن والسياح، ويُنعش التجارة التقليدية التي تُعدّ روح فاس وهويتها.
ما يُثير القلق أكثر هو ما يروج حول خلفيات هذا القرار، والتي يربطها البعض بالمضاربات العقارية، حيث يُخشى أن يكون الهدف هو تحويل مسار النشاط الاقتصادي نحو مناطق محددة لخدمة مصالح ضيقة، بدل الحفاظ على التوازن المجالي الذي تستفيد منه فئات واسعة من الساكنة. فمثل هذه التوجهات، إن صحّت، لا تعني سوى إضعاف مناطق تاريخية وإفقار نسيجها الاقتصادي لصالح أرباح سريعة لا تراعي المصلحة العامة.
إن إبعاد المحطة الطرقية عن مركز المدينة سيؤدي حتمًا إلى تراجع الإقبال على الأسواق التقليدية، وإلى تضرر عدد كبير من الحرفيين والتجار الذين يعتمدون بشكل مباشر على هذا الحركية. كما أنه سيخلق صعوبات إضافية للمواطنين في التنقل، ويزيد من الأعباء اليومية، في وقت تحتاج فيه المدينة إلى قرارات تعزز القرب والفعالية، لا العكس.
وأمام هذا الوضع، يصبح من الضروري أن يتحلى المواطنون بالوعي والمسؤولية، وأن يُعبّروا عن مواقفهم بطرق حضارية وقانونية، دفاعًا عن مدينتهم وحقهم في تنمية متوازنة وعادلة. ففاس ليست مجرد مجال جغرافي، بل هي ذاكرة حضارية واقتصادية مشتركة، وأي قرار يمسّ توازنها يجب أن يخضع لنقاش عمومي واسع، يشارك فيه الجميع دون إقصاء.
إن حماية شريان الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لفاس مسؤولية جماعية، تقتضي من المنتخبين أولًا التحلي بالحكمة وبعد النظر، ومن المواطنين ثانيًا اليقظة والانخراط في الدفاع عن مدينتهم بكل الوسائل المشروعة.
فاس تستحق قرارات تُنصت لنبضها… لا تُجهزه عليه.