“رحلة حديدان”… حين يجتمع الجميع ويعلو صوت المسرح
لم يكن عرض “رحلة حديدان” مجرد لحظة فنية عابرة، بل كان حدثا ثقافيا حيا جمع مختلف فئات المجتمع في مشهد نادر، حيث حضر الأطفال، الشباب، النساء، والرجال، في صورة تؤكد أن المسرح ما زال قادرا على توحيد الناس حول رسالة واحدة: الفن الذي يعكسهم ويخاطبهم.
منذ البداية، كان الإقبال كبيرا لدرجة أن القاعة لم تعد تتسع للجميع، فامتلأت عن آخرها، وبقي البعض واقفا، بينما لم يجد آخرون مكانا للجلوس. هذا الحضور الكثيف والمتنوع لم يكن فقط دليل نجاح، بل كان رسالة واضحة: الجمهور موجود، لكنه يبحث عن أعمال صادقة تحترمه.
قدمت المسرحية سفرا فنيا ممتعا بين مدن مغربية عريقة، من شفشاون إلى فاس ثم مراكش، حيث لم يكن الانتقال مجرد تغيير للأماكن، بل فرصة لاكتشاف غنى الهوية المغربية وتنوعها الثقافي.
لكن خلف هذا البعد الجمالي، طرحت المسرحية قضايا اجتماعية بجرأة وذكاء، من بينها التنمر، السرقة، التمييز، وغيرها من السلوكيات التي تعيش بيننا. وقدمت هذه المواضيع بأسلوب يجمع بين الترفيه والنقد، دون أن تفقد خفتها أو رسالتها.
عرف العرض مشاركة أسماء فنية وازنة ساهمت في إنجاح العمل، من بينها:
عبد الصمد الغرفي، محمد افقير، بثينة يعكوبي، أشرف مسياح، كمال كاظمي، حيث قدموا أداء متقنا عكس انسجاما واضحا بينهم، وجعل الحكاية تنبض بالحياة فوق الركح.
كما تولى أحمد السباع مهمة التأليف، بينما أشرفت أنوار زهراوي على الإعداد والإخراج، في عمل جماعي متكامل أبرز احترافية الطاقم الفني.
ورغم النجاح الكبير الذي حققته المسرحية، لا يمكن إغفال الإكراهات التي يعاني منها الفضاء الثقافي، من حيث التجهيز والبنية، وهي نقطة سوداء في لوحة كان يمكن أن تكون أكثر إشراقا.
لكن الحقيقة التي لا يمكن إنكارها، هي أن هذا النجاح تحقق بفضل الطاقم، بفضل الإيمان بالمسرح، وبفضل الإصرار على تقديم عمل يحترم الجمهور.
ما حدث في “رحلة حديدان” ليس مجرد عرض ناجح، بل درس في أهمية المسرح في حياتنا. هو فضاء يجمع كل الفئات، يفتح النقاش، ويزرع الوعي، ويعيد إلينا شيئا من إنسانيتنا.
في زمن تتراجع فيه القيم أحيانا، يظل المسرح أحد آخر الحصون التي يمكن أن نراهن عليها.
تحية لكل من آمن بأن الركح ليس مجرد خشبة… بل رسالة.
– متابعة: لطيفة بنعاشير.