عندما يتحوّل الشغف إلى قنبلة موقوتة: في قلب مأساة التعصّب الرياضي
بقلم: سيداتي بيدا
لم تكن صافرة النهاية هذه المرة إعلانًا عن خسارة فريقٍ في مباراة، بل كانت—بقسوةٍ غير متوقعة—إعلانًا عن نهاية حياة. مشجّع مغربي يسقط فجأة، قلبه يعجز عن تحمّل صدمة الهزيمة، فيتحوّل المدرّج من فضاء للفرح إلى مسرحٍ لفاجعة. لحظةٌ واحدة كانت كفيلة بأن تكشف لنا الوجه الآخر، المظلم، لشغفٍ ظننّاه بريئًا.
كيف يمكن لمباراة كرة قدم، تسعين دقيقة من الركض خلف كرة، أن تنتهي بمأساة إنسانية؟
السؤال ليس مبالغة، بل حقيقة تفرض نفسها بقوة: حين يفقد الشغف توازنه، يتحوّل إلى خطر.
كرة القدم ليست مجرد لعبة؛ إنها قصة انتماء، ذاكرة، وصوت جماعي ينبض في صدور الملايين. لكن المشكلة تبدأ حين يتحوّل هذا الانتماء إلى ذوبانٍ كامل، حين يصبح الفريق امتدادًا للذات، وخسارته انكسارًا شخصيًا لا يُحتمل. هنا، لا يعود المشجع متابعًا، بل أسيرًا.
في تلك اللحظات المشحونة، يرتفع الأدرينالين، تتسارع ضربات القلب، ويتحوّل التوتر إلى عبءٍ جسدي حقيقي. وما يبدو انفعالًا عابرًا، قد يكون في الواقع ضغطًا قاتلًا، خاصة حين يتكرّر ويتفاقم. إنها ليست مجرد مشاعر؛ إنها معركة داخل الجسد.
من زاوية أعمق، يفسّر علماء النفس هذه الظاهرة بما يُعرف بـ”الاندماج المفرط في الهوية الجماعية”، حيث يتلاشى الحد الفاصل بين “أنا” و”نحن”. يصبح الفوز ضرورة نفسية، والخسارة تهديدًا وجوديًا. وعندما تنهار هذه المعادلة، قد ينهار معها الإنسان نفسه.
المأساة الأخيرة ليست حادثة معزولة، بل جرس إنذارٍ مدوٍّ. التعصّب الرياضي لم يعد مجرد سلوك مزعج في المدرجات، بل بات ظاهرة تتسلل إلى الصحة النفسية والجسدية، وتُهدّد التوازن الإنساني في عمقه.
فهل نحن أمام شغفٍ خرج عن السيطرة؟
وهل تحوّلت الرياضة من متنفسٍ للحياة إلى عبءٍ عليها؟
الحقيقة التي قد لا نرغب في مواجهتها هي أن كثيرين لم يعودوا يشاهدون كرة القدم ليستمتعوا، بل ليُثبتوا انتماءهم، ليهربوا من واقعهم، أو ليبحثوا عن معنى مفقود. وعندما تخذلهم النتيجة، تتضاعف الخيبة، لأنها تضرب في أكثر من مستوى.
لكن، وسط هذا الضجيج، تظل الحقيقة بسيطة وواضحة:
الرياضة خُلقت لتُفرحنا، لا لتقتلنا.
نحن بحاجة إلى إعادة تعريف علاقتنا بها. إلى أن نتعلّم كيف نشجّع دون أن نحترق، كيف نحب دون أن نفقد أنفسنا، وكيف نقبل الخسارة كجزءٍ طبيعي من اللعبة، لا ككارثة.
في النهاية، لا قيمة لأي فوز إذا كان ثمنه إنسانًا.
وأعظم انتصار قد نحققه… هو أن نخرج من المباراة بقلوبٍ سليمة، لا مكسورة ولا متوقفة.