ماروك24ميديا
ليس هناك امتحانٌ أصدق لإنسانية الإنسان من موقفه تجاه الضعفاء. وعلى رأس هؤلاء يقف اليتيم، ذلك الذي فقد السند قبل أن تشتد قامته، ووجد نفسه في مواجهة عالمٍ لا يرحم. من هنا جاء التحذير الإلهي حاسمًا لا يحتمل التأويل: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾. إنه نهيٌ قاطع، يرسم خطًا أحمر بين الإنسانية والسقوط الأخلاقي.
قهر اليتيم ليس فعلًا عابرًا، ولا زلة يمكن تبريرها بضغوط الحياة. هو اعتداء على هشاشة الروح، وكسرٌ لقلبٍ لم يلتئم بعد. والقهر لا يُختزل في سلب المال أو التعدي الظاهر، بل يمتد إلى الإهانة الصامتة، والتجاهل المتعمد، والنظرة المتعالية، والكلمة الجارحة، والتصرف الذي يُشعره بأنه عبءٌ زائد في حياة الآخرين. تلك صورٌ من الظلم قد لا تُرى بالعين، لكنها تُثقل الميزان عند الله.
الأشد مرارة أن يأتي الظلم من حيث يُنتظر الأمان؛ من رحمٍ كان يفترض أن يكون حضنًا، فإذا به يتحول إلى ساحة قسوة. حين تسقط الأقنعة، وتتكشف النفوس، يظهر ما كان مستترًا من حسدٍ وغيرةٍ ودغينة. وعندها يُمتحن الضمير: إما أن ينتصر للرحمة، أو يسقط في هاوية التجرد من الإنسانية.
وفي زمن الفضاء الرقمي، لم يعد القهر حبيس الجدران. صار رسالةً باردة تحمل سمًا في كلماتها، أو منشورًا يُقصَد به التشهير، أو تلميحًا جارحًا يُراد به الإيذاء. قهرٌ إلكتروني يطعن دون أن يترك أثرًا ظاهرًا، لكنه يخلّف جروحًا عميقة في النفس. أي نصرٍ يُرتجى من كسر قلب يتيم؟ وأي قوةٍ تُبنى على أنقاض مشاعر ضعيف؟
الظالم قد يظن أن القهر يرفعه درجة، أو يحفظ له مكسبًا، أو يثبّت نفوذًا. لكنه وهمٌ قصير العمر. فالرزق مقسوم، والمكانة بيد الله، ودعوة المظلوم خاصة إذا كان يتيمًا لا يحجبها حاجب. والعدل وإن تأخر، لا يغيب.
هذا المقال ليس عاطفة عابرة، بل جرس إنذار. فالظلم دينٌ يُستوفى، وإن طال الأمد. والإنسان يُقاس عند الله بقدر رحمته، لا بسطوته. من أراد سلامة دنياه ونجاة آخرته، فليتقِ الله في اليتيم، وليعلم أن لحظة قهر قد تصنع ندمًا لا يمحوه اعتذار، ولا يخففه زمن.
بقلم: سيداتي بيدا