ماروك24ميديا
ليست الأزمة في ندرة الخطب ولا في ضعف العناوين، بل في الفجوة السحيقة بين ما يُقال في المنصات وما يعيشه الناس خارج القاعات. في مدينة السمارة، انكشفت هذه الفجوة على نحو فجّ، حين استطاعت كلمة صادقة، غير مُبرمجة، أن تفعل ما عجزت عنه خطابات رسمية أُعدّت بعناية، ومداخلات ملساء أُفرغت من أي التزام حقيقي.
لم يكن اللقاء مناسبة احتجاجية ولا منصة سياسية، بل إطارًا مؤسساتيًا تقليديًا، حضره مسؤولون من مستويات مختلفة: وزير، ووالي، ومنتخبون، ومديرو مؤسسات.
غير أن الكلمة التي غيّرت المشهد لم تصدر عن أي منهم، بل عن فاعلة جمعوية اختارت أن تتحدث بلسان الواقع لا ببلاغة المجاملة.
كلماتها لم تكن اتهاما مباشرا، لكنها كانت تشخيصا صارخًا لوضع اقتصادي واجتماعي متآكل، تعيشه مدينة حدودية أُنهكتها البطالة، وخنقها غياب المشاريع الإنتاجية، وتركها الجميع في هامش الانتظار.
السمارة ليست منطقة بلا مؤهلات، بل مجال حضاري له مستقبل واعد. مواردها موجودة، وموقعها استراتيجي، وطاقاتها البشرية حاضرة، لكن ما يغيب هو الإرادة السياسية التي تحول الإمكان إلى مشروع، والشعار إلى فرصة عمل.
هنا تحديدًا يتجلى جوهر الأزمة: سنوات من اللقاءات والملتقيات، قوافل إعلامية، صور وتصريحات، دون أثر ملموس في حياة الشباب الذين يراكمون الإحباط بدل الخبرة.
المفارقة القاسية أن هذا الواقع لم يُكشف بتقرير رسمي ولا بدراسة تقنية، بل بكلمة عفوية أربكت الحاضرين، لأنها قالت ما يُتجنب قوله عادة.
فحين يصبح الصدق إحراجًا، وحين تتحول الجرأة إلى استثناء، ندرك أن الخلل أعمق من ضعف الاستثمار؛ إنه خلل في القناعة وفي ترتيب الأولويات.
نداء تلك الكلمة لم يكن موجّهًا للدولة وحدها، بل شمل أيضًا أبناء الإقليم من رجال الأعمال والمستثمرين الذين راكموا الثروة بعيدًا عن مدينتهم الأصلية. فالتنمية ليست منحة تُمنح، ولا شعارًا يُرفع، بل التزام أخلاقي تجاه أرض منحت الكثير ولم تسترد إلا القليل.
السمارة لا تحتاج مزيدًا من الخطب، ولا جولات بروتوكولية إضافية. ما تحتاجه هو قرارات واضحة، واستثمارات حقيقية، ومساءلة صريحة. إلى أن يتحقق ذلك، ستظل الكلمة الحرة، مهما كانت بسيطة، أقدر على فضح الوهم من أي خطاب رسمي مُنمّق.
سيداتي بيا