ماروك24ميديا
تشهد مدينة العيون، في الآونة الأخيرة، تفاقمًا مقلقًا لظاهرة التشرد المصحوب بالاضطرابات العقلية، في مشاهد يومية لم تعد تثير الاستغراب بقدر ما تثير القلق والغضب. شوارع وأحياء المدينة باتت مسرحًا مفتوحًا لأوضاع إنسانية صادمة، في ظل صمت مؤسساتي غير مفهوم، وعجز واضح عن التدخل لحماية الأفراد والمجتمع على حد سواء.
آخر هذه المشاهد ما عرفه حي 84، حيث جرى رصد شخص يعاني من اضطراب عقلي يتجول في وضع غير لائق، دون ملابس، ما تسبب في حالة من الهلع في صفوف الساكنة، خاصة النساء والأطفال. واقعة ليست استثناءً، بل حلقة جديدة في سلسلة من الإهمال المزمن الذي يطبع التعامل مع هذه الفئة الهشة.
إن استمرار وجود أشخاص يعانون من أمراض نفسية وعقلية في الفضاء العام دون رعاية طبية أو اجتماعية، لا يمس فقط بكرامتهم الإنسانية، بل يشكل خطرًا حقيقيًا على السلم الاجتماعي والصحة العامة. فغياب المتابعة والعلاج قد يؤدي إلى تصرفات غير متوقعة، تهدد سلامة المواطنين وتزرع الخوف في الفضاءات المشتركة.
وتزداد خطورة الوضع مع التقلبات المناخية القاسية التي تعرفها المدينة، من برودة شديدة ورياح قوية وتساقطات مطرية، ما يجعل الشارع مكانًا غير آمن لهؤلاء الأشخاص، ويضاعف من احتمالات وقوع مآسٍ إنسانية قد تكون عواقبها وخيمة.
أمام هذا الواقع، تبرز تساؤلات مشروعة تفرض نفسها بإلحاح: أين دور السلطات المحلية؟ وأين تدخل قطاع الصحة والتضامن الاجتماعي؟ وأين الجمعيات الحقوقية والمدنية التي يُفترض أن تجعل من الدفاع عن الكرامة الإنسانية جوهر عملها؟ وكيف يُعقل أن تستمر هذه المشاهد في مدينة بحجم العيون دون توفير مراكز إيواء متخصصة أو تفعيل آليات الرعاية النفسية والاجتماعية؟
إن سياسة التجاهل أو الحلول الظرفية لم تعد مقبولة. المطلوب اليوم هو مقاربة شمولية ومسؤولة، تقوم على التنسيق الجاد بين مختلف المتدخلين، لإحداث مراكز إيواء لائقة، وتوفير العلاج والمتابعة، وضمان إدماج اجتماعي يحفظ كرامة المرضى ويصون أمن المجتمع.
فكرامة الإنسان لا تقبل التجزئة، وأمن المواطنين خط أحمر. أما الصمت المستمر، فلم يعد حيادًا، بل تقصيرًا وتواطؤًا غير مباشر مع واقع يسيء للمدينة ولساكنتها، ويستدعي تدخلًا عاجلًا لا يحتمل المزيد من التأجيل.
بقلم: سيداتي بيدا