ماروك24ميديا
في كواليس المنظومة التربوية، بعيدًا عن الشعارات البراقة وخطابات الإصلاح، تتشكل مآسٍ صامتة لا تجد من يُنصت لها. من بين هذه المآسي، وضعية أساتذة أجبرهم المرض على مغادرة السبورة، لا هروبًا من الواجب، بل امتثالًا لقرارات لجان طبية أقرت استحالة استمرارهم في التدريس دون تهديد حقيقي لصحتهم. غير أن المفارقة المؤلمة تبدأ بعد هذا الإعفاء، حين يتحول الإجراء الإنساني إلى عبء إداري جديد لا يقل قسوة.
الإعفاء الطبي من التدريس، من حيث المبدأ، اعتراف رسمي بحدود الجسد وحق الأستاذ في الحماية. لكنه في الممارسة اليومية كثيرًا ما يُفرغ من محتواه، إذ يُزَجّ بالأستاذ المعفى في مهام إدارية مرهقة، وساعات عمل طويلة، وضغط نفسي متواصل، وكأن المرض لا يُعترف به إلا داخل الفصل، بينما يُمحى تمامًا خلف المكاتب.
الأخطر من ذلك أن هذه الفئة تُدار داخل فراغ قانوني مقلق. فلا نصوص تنظيمية واضحة تحدد طبيعة المهام المناسبة، ولا ضوابط تضبط حجم التكليف، ولا ضمانات تحمي الأستاذ من تعسف التأويل الإداري. ونتيجة هذا الغموض، تتفاوت المعاملة من مؤسسة لأخرى، ومن مديرية لأخرى، في مشهد يُكرّس اللامساواة ويُحوّل الوضع الصحي إلى نقطة ضعف بدل أن يكون معطى يستوجب الرعاية.
إن ما يحدث ليس مجرد خلل إداري عابر، بل مساس مباشر بكرامة الأستاذ. فحين يُعامل المرض كعبء يجب الالتفاف عليه، وحين يُنظر إلى الإعفاء الطبي كامتياز مشبوه لا كحق مشروع، فإننا نكون أمام ثقافة تدبير تُجافي أبسط مبادئ العدالة المهنية والإنسانية.
من هنا، يصبح فتح هذا الملف ليس ترفًا نقابيًا ولا مطلبًا فئويًا ضيقًا، بل قضية أخلاقية بامتياز. قضية تستدعي حوارًا وطنيًا صريحًا، يُفضي إلى إطار تنظيمي واضح وعادل، يُثمّن التجربة التربوية لهؤلاء الأساتذة، ويُعيد توظيفها في مهام نوعية تحترم وضعهم الصحي وتخدم المدرسة العمومية في آن واحد.
إن أي حديث عن إصلاح التعليم يفقد مصداقيته حين يُبنى على إنهاك من أفنوا أعمارهم في خدمته. فالأستاذ المريض لا يطلب شفقة، بل إنصافًا. ولا يسعى إلى إعفاء من المسؤولية، بل إلى مسؤولية تراعي إنسانيته. ودون ذلك، سيظل المرض هو العقوبة، والإدارة هي القاضي، والصمت هو الحكم السائد.
بقلم: سيداتي بيدا