ماروك24ميديا
تعيش مدن الشمال المغربي على وقع واحدة من أقسى المحن الطبيعية في السنوات الأخيرة، بعدما حولت الأمطار الغزيرة والفيضانات المفاجئة حياة الآلاف إلى معاناة يومية مفتوحة. من القصر الكبير والعرائش إلى طنجة وتطوان وشفشاون وأصيلة ووزان، لم تعد الفيضانات مجرد أرقام أو نشرات جوية، بل واقعا قاسيا تسكنه منازل غارقة، وطرق مقطوعة، وأسر وجدت نفسها بين ليلة وضحاها في مواجهة الخطر وفقدان الاستقرار.
لقد كشفت هذه الفيضانات هشاشة البنية التحتية في بعض المناطق، وعمقت الإحساس بالقلق والخوف، خاصة لدى الفئات الأكثر تضررا، التي فقدت مصادر رزقها أو وجدت ممتلكاتها البسيطة تحت رحمة المياه. مشاهد الأطفال المحاصرين، وكبار السن الذين ينتظرون النجدة، ستظل شاهدة على حجم الألم الذي خلفته هذه الكارثة الطبيعية.
وفي قلب هذا المشهد الصعب، برز الوجه المشرق للمغرب، حيث تحركت السلطات المحلية وعناصر الوقاية المدنية بكل ما تملكه من إمكانيات، في سباق مع الزمن لإنقاذ الأرواح وتقليص الخسائر. وبموازاة ذلك، أبان المواطنون عن حس وطني عالى من خلال مبادرات تضامنية عفوية، وتكافل اجتماعي صادق، يؤكد مرة أخرى أن المغاربة، في الشدة قبل الرخاء، جسد واحد وقلب واحد.
غير أن هذه المحنة تفرض وقفة تأمل جادة، ليس فقط لمداواة الجراح، بل لطرح أسئلة حقيقية حول الاستعداد، والوقاية، والمسؤولية المشتركة. كما تفرض رفضا قاطعا لكل من يحاول المتاجرة بآلام المتضررين أو استغلال الأزمات لتحقيق مكاسب ضيقة، لأن الكوارث لا تحتمل العبث ولا المزايدات.
إن فيضانات الشمال ليست مجرد حادث عابر، بل إنذار واضح بضرورة تعزيز التخطيط الاستباقي، وتقوية البنيات التحتية، وترسيخ ثقافة التعاون والالتزام. ففي مثل هذه اللحظات العصيبة، يتأكد أن قوة الوطن لا تقاس بغياب الأزمات، بل بقدرته على مواجهتها متماسكا، متضامنا، ومؤمنا بأن المغرب، مهما اشتدت المحن، سيبقى يدا واحدة.
اللهم احفظ بلادنا من كل سوء، وارفع البلاء عن أهلنا في الشمال، وارحم المتضررين، واشف الجرحى، واجعل هذه المحنة بردا وسلاما على وطننا وشعبنا. اللهم ألف بين قلوب المغاربة، وامنحهم القوة والصبر، واحفظ المغرب آمنا مطمئنا.
✍️ سميرة ملوكي
لندن