ماروك24ميديا
بقلم لطيفة بنعاشير
انعقدت دورة فبراير في إطارها القانوني المعتاد، لكن مضمونها العملي كشف فجوة مقلقة بين ما يُفترض أن تكون عليه الممارسة الديمقراطية المحلية، وما يعيشه المواطن فعليًا على أرض الواقع.
من بين النقاط المدرجة في جدول الأعمال، صياغة دفتر التحمّلات، وهي وثيقة لا يمكن التعامل معها كإجراء تقني عابر، لأنها تشكّل الإطار القانوني والأخلاقي لتدبير المال العام وتنزيل المشاريع.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو:
هل تُصاغ دفاتر التحمّلات لضمان النجاعة والشفافية، أم تتحول أحيانًا إلى نصوص مرنة تسمح بتأجيل الإنجاز وتفادي المحاسبة؟
وخلال نفس الدورة، تم الإعلان عن فائض في الميزانية يناهز 12 مليون درهم.
رقم لا يمكن المرور عليه كمعطى محاسباتي فقط، بل كمسؤولية سياسية وأخلاقية.
فائض بهذا الحجم يفتح أسئلة جوهرية لا ينبغي اعتبارها تشكيكًا:
أين سيوضع هذا الفائض؟
وفي أي أبواب سيتم صرفه؟
هل سيُعاد توجيهه لمعالجة اختلالات قائمة تمس الحياة اليومية للساكنة؟
أم سيبقى رقمًا يُرحَّل من سنة إلى أخرى دون أثر ملموس؟
وجود فائض مالي، في مقابل أحياء تعاني من ضعف الإنارة والبنية التحتية، لا يُقرأ كنجاح تلقائي، بل كدعوة لمساءلة الأولويات.
الدورة ناقشت كذلك إشكالية إتلاف الطرق العمومية من طرف شركات الاتصالات، بحضور ممثل اتصالات المغرب وممثل شركة SRM، في مقابل غياب ممثل شركة إنوي، رغم كونها طرفًا معنيًا بشكل مباشر.
وقد صرّح بعض أعضاء المجلس أن الأشغال المنجزة من طرف هذه الشركات تتم أحيانًا دون الحصول على التراخيص القانونية اللازمة.
ممثل اتصالات المغرب أوضح أن الإشكالات المطروحة لا تعود لشركته، بل للشركة الغائبة، وهو تصريح يطرح سؤال التنسيق والمراقبة قبل سؤال المسؤولية.
أما ممثل SRM، فقد قدّم مداخلة تقنية واضحة، لكنه صرّح بأن ملف الفواتير خارج نطاق صلاحياته.
وهنا يتكرس الإشكال:
الحاضر يشرح دون أن يقرر، والغائب لا يُسائل، والمواطن يظل عالقًا بين الطرفين.
في خضم هذه النقاشات، عبّر إطار جمعوي عن احتجاج ساكنة حي الكرامة بخصوص مشكل الإنارة وعدم الوفاء بوعود سابقة.
ومن باب الوضوح، نعم، نعلم أن القانون يمنع الحضور من التدخل أو التعقيب أثناء انعقاد الدورات. هذا تنظيم مؤسساتي لا نقاش فيه.
لكن ما ينفع المواطن أن يحيى، ليس الصمت داخل القاعة، بل الوفاء بالوعود خارجها.
الثقة التي منحها للمنتخبين ليست إجراءً شكليًا، بل التزام متبادل. وحين لا يتم احترام هذا الالتزام، فإن الإشكال لا يكون في صوت المواطن، بل في تهميشه وإفراغ التمثيل من معناه.
طريقة التفاعل مع هذا الاحتجاج كشفت تباينًا واضحًا في الفهم السياسي.
فبينما اختار بعض المسؤولين التوتر والتهكم، برز تدخل السيدة ربيعة بوجة كنموذج مختلف: إنصات، احتواء، وسؤال مباشر عن أصل المشكل، ليظهر أن جوهر الأزمة هو وعود لم تُنفذ.
وأثناء مجريات الدورة، برز مشهد آخر لا يمكن اعتباره تفصيلاً ثانويًا.
لوحظ أن بعض الأعضاء لم يكونوا متتبعين للنقاش، وانشغلوا بمتابعة مقاطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي، لا علاقة لها لا بالزمان ولا بالمكان ولا بالقضايا المطروحة.
وهنا يُطرح السؤال، لا كاتهام، بل كمساءلة أخلاقية: هل هذا هو مستوى الانتباه الذي يليق بثقة المواطن؟
وهل يمكن الدفاع عن مصالح الساكنة بذهن غائب، حتى وإن كان الجسد حاضرًا؟
ويتعزز هذا التساؤل حين نلاحظ أن بعض الأعضاء غادروا الجلسة قبل استكمال مناقشة النقاط المدرجة، في مقابل حضور منضبط لمأدبة الغداء التي تُقام بشكل متكرر خلال الدورات، رغم وجود توجيهات رسمية واضحة تدعو إلى ترشيد النفقات العمومية والعقلنة في مصاريف الاستقبال والولائم.
في ظل فائض مالي يناهز 12 مليون درهم، تصبح الأولويات سؤالًا لا يمكن الهروب منه: هل تُصرف الميزانية حيث يشعر بها المواطن؟
أم حيث اعتدنا أن نصرفها دون مساءلة؟
المواطن، حتى وهو صامت داخل القاعة، ليس غائبًا.
هو يراقب، يقارن، ويحتفظ بالأسئلة.
وما يضعف الثقة ليس الاحتجاج، بل التجاهل، وليس النقد، بل اللامبالاة.
دورة فبراير لم تكن مجرد دورة مقررات، بل اختبارًا حقيقيًا لمعنى التمثيل والمسؤولية.
فإما أن تتحول الثقة إلى إنجاز ملموس،
وإما أن تتحول إلى عبء سياسي مؤجل… لا يسقط بالنسيان.