ماروك24ميديا
بقلم: لطيفة بنعاشير.
في مدينة تستدعى فيها الثقافة غالبا كزينة موسمية، وتفتح فيها القاعات عند الافتتاح وتغلق عند أول صورة، تختار فرقة خميسآرت للتوطين المسرحي أن تشتغل في الهامش… والهامش هنا ليس ضعفا، بل مساحة حرة لقول ما لا يقال. تشتغل حيث لا ضجيج، ولا تصفيق مجاني، بل تمرين يومي على المعنى، وعلى طرح السؤال في زمن الإجابات الجاهزة.
خميسآرت لا تنظم ورشات لأنها “موضة ثقافية”، بل لأنها تؤمن أن المسرح لا يصنع بالصدفة، وأن الممثل لا يولد كاملا، بل يبنى في الورشة، في العرق، في الشك، وفي إعادة النظر في كل ما نظنه بديهيا.
في هذا السياق، جاءت ورشة السينوغرافيا من تأطير الأستاذ طه كبيري كفعل هدم قبل أن تكون فعل بناء؛ هدم لفكرة أن الديكور مجرد خلفية، وبناء لوعي جديد يرى في الفضاء المسرحي نصا موازيا، وخطابا بصريا قادرا على قول ما تعجز عنه الكلمات. كانت الورشة تمرينا على الرؤية، وعلى مساءلة العلاقة بين الجسد والمكان والضوء، بعيدا عن الحلول السهلة والديكور المستعار.
ثم جاء الماستر كلاس مع الفنان أيوب أبو نصر، من تسيير الأستاذ ياسين هواري، لا كدرس جاهز، بل كلحظة مواجهة. مواجهة مع الذات، مع الخوف، مع هشاشة الممثل، ومع السؤال الكبير: لماذا نمارس المسرح أصلا؟ حديث صريح عن الفن كاختيار صعب، لا كطريق مختصر نحو الشهرة، وعن الخشبة كمسؤولية لا كمنصة استعراض.
هذه المحطات لم تكن أحداثا عابرة، بل مواقف ثقافية واضحة: اشتغال في العمق، خارج منطق الاستهلاك الثقافي، وضد تحويل الفن إلى واجهة فارغة. مشروع يقول بوضوح إن التكوين ليس ترفا، بل فعل مقاومة في زمن الرداءة السهلة.
واليوم، تواصل خميسآرت هذا الخط التصاعدي، وتعلن موعدا جديدا مع ورشة فن الممثل من تأطير الفنانة هند بلعولة، ورشة تراهن على ما هو منسي: الصدق. صدق الجسد، وصدق الصوت، وصدق الحضور. ورشة تسائل الممثل قبل أن تعلمه، وتفكك الأقنعة قبل أن تصنع الأداء.
وستنظم هذه الورشة بـالمركز الثقافي بالقنيطرة:
يومي الجمعة والسبت 23 و24 يناير 2026
الجمعة: ابتداء من الساعة الثالثة بعد الزوال
السبت: ابتداء من الساعة الحادية عشرة صباحا
ورشة ليست دعوة للاحتراف السريع، بل تمرينا على الصبر، وعلى الإنصات، وعلى مقاومة التفاهة التي تحاصر الفعل الثقافي من كل الجهات.
إن ما تقوم به خميسآرت اليوم يتجاوز حدود المسرح، ليطرح سؤال الثقافة في حياتنا: هل نريدها زينة؟ أم أداة وعي؟ هل نريد فنا يرضي، أم فنا يقلق؟
فالثقافة، حين تمارس بصدق، تربك، تزعج، وتفتح الجراح… لكنها أيضا تنقذنا من التواطؤ مع القبح.
ومن هنا، فالدعوة ليست فقط للحضور، بل للمشاركة في فعل ثقافي متمر
تعالوا إلى الورشة لا لنصفق، بل لنتعلم كيف نقف على الخشبة بظهر مستقيم في زمن الانحناء.
