ماروك24ميديا
لم تكن التساقطات المطرية الأخيرة بالدار البيضاء مفاجِئة في حدّ ذاتها، فالمغرب اعتاد منذ سنوات على فترات مطر غزيرة ومتقطعة، لكن ما كان صادما حقا هو ما كشفته هذه الأمطار من هشاشة صامتة طالما تم تجاهلها. ما حدث في مقبرة الغفران ليس مجرد مشهد عابر، بل رسالة قاسية عن اختلال عميق في طريقة تدبير المدينة، وعن أولويات مقلوبة لا ترى من المجال الحضري سوى واجهاته.
قبور غارقة في المياه، شواهد مائلة أو منهارة، ومسالك تحولت إلى أوحال… كل ذلك لا يمكن اختزاله في “حادث طبيعي”.
المقبرة لم تُنشأ أمس، والمشاكل المرتبطة بتصريف المياه والبنية التحتية معروفة منذ سنوات، لكن الإهمال ظل الخيار الأسهل. حين يتعلق الأمر بالفضاءات التي لا تُدر أرباحا ولا تلمع في الصور الرسمية، يصبح التأجيل سياسة، والصمت تدبيرا.
الدار البيضاء، المدينة التي تُسوَّق باعتبارها القلب الاقتصادي للمغرب، تبدو عاجزة عن حماية أحد أكثر فضاءاتها رمزية.
فالمقابر ليست فقط أماكن للدفن، بل فضاءات للذاكرة الجماعية، وللصلة الأخيرة بين الأحياء ومن رحلوا. حين تُنتهك حرمة هذه الأمكنة، فإن الأمر يتجاوز الجانب المادي ليصل إلى سؤال أخلاقي: أي مدينة هذه التي لا تصون موتاها؟
المفارقة المؤلمة أن المدينة لا تتردد في ضخ ميزانيات ضخمة في مشاريع تجميلية، في إعادة تهيئة شوارع وأرصفة أكثر من مرة، بينما تُترك مقبرة بحجم الغفران دون صيانة حقيقية أو رؤية استباقية.
وكأن الكرامة تُقاس بقيمة الاستثمار، لا بقيمة الإنسان.
اليوم، لم يعد مقبولا الاكتفاء بتبادل الاتهامات أو البحث عن شماعة الطقس. ما حدث يستدعي محاسبة واضحة، ورؤية جديدة تعتبر المقابر جزءا من النسيج الحضري، لا هامشا منسيا. فاحترام المدينة يُقاس أيضا بكيفية تعاملها مع صمت الموتى.
إذا كانت الدار البيضاء تطمح إلى مستقبل أكثر إنصافا وحداثة، فعليها أولا أن تنظر إلى مرآتها دون زينة
فمدينة لا تحمي ذاكرتها، ولا تصون حرمة موتاها، لن تقنع أحدا بأنها قادرة على حماية كرامة أحيائها.
بقلم: سيداتي بيد