ماروك24ميديا
لم تكن الصورة المتداولة لرئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان، السيدة أمينة بوعياش، وهي تحتمي بمظلة من المطر بينما يتلقى حاملها البلل كاملًا، مجرد لقطة عابرة في ألبوم حدث رسمي. لقد تحولت، في زمن المشاهدة الفورية، إلى نص بصري صادم، استدعى نقاشًا حادًا تجاوز الواقعة ليصيب جوهر العلاقة الملتبسة بين السلطة والكرامة، وبين الخطاب الحقوقي وممارساته الرمزية.
في السياق المعاصر، لم تعد الصورة محايدة ولا بريئة. إنها خطاب مكثف، يختزل المعاني ويختبر صدقية المؤسسات أكثر مما تفعل البيانات الرسمية. ومن هنا، جاءت ردود الفعل غاضبة وصاخبة، رأت في المشهد تعبيرًا فجًا عن تراتبية غير معلنة، حيث تُحمى السلطة ويُترك “الآخر” في الهامش، ولو تحت المطر. لم يكن الاعتراض على المظلة في حد ذاتها، بل على ما ترمز إليه: من يحظى بالحماية، ومن يُطلب منه الصمت والقيام بالدور.
إن خطورة المشهد لا تكمن في بساطته، بل في موقعه الرمزي. فحين تصدر الصورة عن مؤسسة يُناط بها الدفاع عن حقوق الإنسان وصون كرامته، فإن التفاصيل الصغيرة تتحول إلى معايير مساءلة كبرى. هنا، لا تعود النوايا كافية، ولا السياقات التنظيمية مبررًا مقنعًا، لأن الرأي العام لا يحاكم النيات بل العلامات، ولا يقرأ البروتوكول بل الرسائل الضمنية.
في المقابل، سارع المدافعون إلى اعتبار الجدل افتعالًا مجانيًا، محاججين بأن الترتيبات الأمنية والتنظيمية تفرض أحيانًا مشاهد لا تعكس بالضرورة قناعات المسؤول أو سلوكه الشخصي. غير أن هذا الدفاع، وإن بدا عقلانيًا في ظاهره، يتجاهل حقيقة مركزية: المسؤول العمومي، خاصة في موقع حقوقي، مطالب بوعي مضاعف بالرمز، وبحساسية أخلاقية أعلى تجاه الصورة، لأن حضوره ليس فرديًا بل تمثيلي، ولأن جسده في الفضاء العام يتحول تلقائيًا إلى خطاب.
إن ما تكشفه هذه الواقعة هو مأزق أعمق من صورة مثيرة للجدل. إنه مأزق الفجوة بين خطاب حقوقي مُنمّق، وممارسات يومية قد تنقضه دون قصد. فالثقة لا تُبنى بالشعارات، بل بالانسجام الصارم بين القول والفعل، بين الموقع والمسؤولية، وبين الامتياز والقدوة.
لقد أصبحت الصورة اليوم محكمة رمزية لا ترحم، تحاكم التفاصيل وتفكك الإيماءات، وتضع المؤسسات أمام اختبار دائم. ومن هذا المنطلق، فإن الجدل القائم ليس تهجمًا ولا شعبوية، بل إنذارًا واضحًا بأن زمن الحصانة الرمزية قد انتهى، وأن السلطة، مهما كان عنوانها، مطالبة بأن تنزل من علُ، وتعيد التفكير في أبسط تصرفاتها.
ففي عالم تحكمه العين قبل العقل، قد تكون مظلة واحدة كافية لإسقاط خطاب كامل.
سيداتي بدا