ماروك24ميديا
لم يعد الفضاء الرقمي في المغرب ملعباً مفتوحاً لكل من يرغب في عبثٍ بلا حدود. فما يجري اليوم ليس مجرد تحرك عابر أو موجة غضب آنية، بل منعطف حقيقي في المسار الرقمي الوطني. حملة “زيرو تفاهة”، التي تقودها الحقوقية المغربية سميرة البقالي، تحولت خلال أسابيع قليلة إلى قوة ضغط مجتمعية، فرضت حضورها على الأرض وعلى شاشات الهواتف، ودفعت أجهزة الدولة إلى التحرك بجدية غير مسبوقة.
هذه الحملة لم تأتِ من فراغ؛ بل ولدت من تراكمات طويلة من الانفلات، حيث تحولت المنصات إلى ساحات للابتذال والإساءة والصراخ المفتعل، وموطن رزق سهل لمن أدمنوا الاتجار بمشاعر المتابعين، واستباحوا الذوق العام بلا حسيب ولا رقيب. لكن اليوم، يبدو أن صبر المغاربة قد نفد، وأن صوت المجتمع بات أعلى من ضجيج “الترند”.
التحرك الحالي محكم ومنظم: شكايات رسمية، تتبع قانوني، استدعاءات، تحقيقات، وتوقيفات طالت عدداً من صناع المحتوى الذين تجاوزوا كل الخطوط. هذا التحول السريع بعث رسالة واضحة: الدولة لن تتسامح مع من يحوّل الفضاء الرقمي إلى مستنقع، والنيابة العامة لن تظل متفرجة بينما تُستفز قيم المجتمع ويُستهان بأخلاقياته.
الأمر لا يتعلق بحرب على صُنّاع المحتوى، بل بحرب على الرداءة. فالمغرب لا يعادي الإبداع، بل يحارب الإسفاف الذي يختبئ وراء وهم “الحرية” وادعاءات “التأثير”. حرية التعبير ليست رخصة للتهجم على الناس، ولا جواز عبور لفوضى السخرية والابتذال، ولا مظلة لحماية من يتربحون من الانحطاط الأخلاقي.
لقد أعادت حملة “زيرو تفاهة” شيئاً من الهيبة للفضاء الرقمي، بعدما كان مسرحاً لمن يعتقد أن الصراخ يكفي لصناعة المشاهدات، وأن الانحطاط طريق مختصر نحو الشهرة. لكن الزمن تغيّر، والقانون لم يعد صامتاً. من يسيء سيحاسب، ومن يستخف بالذوق العام سيواجه تبعات اختياراته. هذه ليست شعارات، بل وقائع تتحقق على الأرض كل يوم.
إن ما يحدث اليوم هو استعادة للمعنى، وتنبيه للمتجاوزين بأن المغرب لن يسمح لمن يجرّه إلى القاع بأن يستمر في ذلك. الحملة التي بدأت كتحرك مدني صارت اليوم موقفاً عاماً، ومساراً واضحاً: لا مكان للمحتوى الهابط، ولا حصانة لمن يعبث بعقول الناس، ولا مستقبل لفوضى رقمية كانت تُغذيها اللاعقاب.
زمن العبث انتهى… والمغرب يكتب الآن فصلاً جديداً عنوانه الانضباط، المسؤولية، واحترام قيم هذا الوطن.
بقلم / سيداتي بيدا