ماروك24ميديا
تجد شركة نستله نفسها اليوم في مهبّ عاصفة جديدة من النقد الدولي، بعدما كشف تقرير حقوقي حديث عن ممارسات تسويقية مثيرة للجدل تستهدف الأسواق الإفريقية والآسيوية وأميركا اللاتينية بمنتجات غذائية مخصّصة للأطفال لا ترقى إلى المعايير الصحية العالمية. هذه الاتهامات، التي تعيد إلى الذاكرة إرثًا ثقيلًا يلاحق الشركة منذ سبعينيات القرن الماضي، تشي بأن الشركة لم تبرأ بعدُ من إشكالات ممارساتها التسويقية، ولا من الأسئلة الأخلاقية التي تثيرها علاقتها بالشعوب الأكثر هشاشة.
التقرير الحقوقي الأخير قدّم صورة صادمة لمحتوى بعض تلك المنتجات، كاشفًا عن نسب مرتفعة من السكر والملح داخل تركيبات موجّهة للرضّع، في مخالفة واضحة للتوصيات الصحية الدولية. مثل هذه المكوّنات ليست مجرد تفاصيل يمكن التغاضي عنها؛ بل هي عوامل قد تسهم، بحسب المختصين، في رفع معدلات السمنة المبكرة ومشكلات القلب لدى الأطفال، وهي أمراض باتت اليوم تُعدّ تهديدات صحية عابرة للقارات.
الأخطر من ذلك، وفق التقرير، هو تركيز الشركة على أسواق تعاني ضعفًا في الرقابة الصحية، ما يجعلها بيئة مثالية لتمرير منتجات لا يمكن تسويقها في دول أخرى ذات قواعد أكثر صرامة. هذا السلوك، الذي يتجاوز البعد التجاري ليبلغ حدود الاستغلال الصريح، أثار غضب منظمات مدنية طالبت بفتح تحقيقات مستقلة وفرض قيود مشددة على المواد المخصّصة للأطفال.
ورغم نفي نستله القاطع لجميع الاتهامات، وإصرارها على احترام القوانين المحلية والدولية، إلا أن هذا الدفاع بدا في نظر مراقبين محاولة لتخفيف الضغط الإعلامي أكثر من كونه ردًا مقنعًا على أسئلة جوهرية تتعلّق بالشفافية والصحة العامة. فالشركات متعددة الجنسيات، كما يرى خبراء حقوق المستهلك، لا تزال تستفيد من ثغرات التشريعات في الدول النامية، حيث تضعف آليات المراقبة وتتراجع قدرة المؤسسات الصحية على فرض المعايير.
خبراء الصحة العامة شددوا بدورهم على أن الرضاعة الطبيعية تبقى الخيار الأكثر أمانًا للرضّع، وأن أي بديل صناعي يجب أن يخضع لرقابة صارمة تضمن سلامته وجودته. وفي ظل هذه التطورات، يرجّح متخصصون أن تشهد المرحلة المقبلة فتح تحقيقات دولية وربما دعاوى قضائية تطال الشركة، في وقت تتجه فيه حكومات عدة إلى تشديد معايير استيراد منتجات الأطفال.
إن ما يطفو على السطح اليوم ليس مجرد جدل عابر، بل تجسيد لصراع قديم متجدّد بين منطق الربح ومنطق الحق، بين مصالح شركات عابرة للحدود واحتياجات فئات ضعيفة لا تملك ترف الدفاع عن نفسها. وفي خضم هذا الصراع، يبقى السؤال الأهم: متى
بقلم: سيداتي بيدا