ماروك24ميديا.
يبدو أن الصحراء، بما تمتلكه من ذاكرة واسعة وهدوء عميق، تستعد لكتابة فصل جديد من فصول التواصل بين المغرب وموريتانيا. فقد أعلنت المملكة المغربية رسمياً عن قرب اكتمال معبر آمگالة الذي سيربط السمارة المغربية بـ بئر أم گرين الموريتانية، في مشروع استراتيجي يمثّل خطوة ثانية بعد معبر الگرگرات، ويفتح بوابة جديدة للتنمية نحو غرب إفريقيا. ومع بلوغ نسبة الإنجاز 95%، بات الطريق على مشارف أن يصبح حقيقة ميدانية، تترجم رؤية تتجاوز حدود الإسفلت إلى آفاق أرحب من التعاون الإقليمي.
لا يكمن ثقل هذا المعبر في طوله الذي لا يتجاوز تسعين كيلومتراً، بل في رمزيته ومضامينه. فهو يشكّل امتداداً لسياسة مغربية قائمة على تعزيز التكامل القاري، وتثبيت دور المملكة كهمزة وصل بين شمال القارة وجنوبها. وفي المقابل، يمنح موريتانيا نافذة إضافية نحو الشركاء الاقتصاديين، ويتيح لها توسيع مجالها التجاري واللوجستي في منطقة تتزايد فيها رهانات الاستقرار والتنمية.
لكن معبر آمگالة لا يمكن قراءته بمعزل عن العمق التاريخي والإنساني للعلاقات المغربية الموريتانية. فبين البلدين روابط ضاربة في الجذور، تمتد من كتب الأنساب إلى طرق القوافل، ومن المصاهرة والتزاوج بين القبائل إلى وحدة اللسان العربي الذي حمل عبر القرون ثقافة مشتركة وأفقاً روحياً واحداً. وتشهد الصحراء الكبرى، من وادي الذهب إلى آدرار، على إرث مشترك يتجلّى في تشابه العادات، وتطابق الزي الصحراوي بين الملحفة والدرّاعة، وفي القيم التي تميّز الإنسان الصحراوي: الكرم، ونجدة الضيف، وسمو الأخلاق.
هذه الروابط، وإن كانت غير مكتوبة في الوثائق الدبلوماسية، إلا أنها تشكّل أساساً صلباً لعلاقة تتجاوز الرسمي إلى الإنساني. وهذا ما يمنح افتتاح المعبر بعداً دبلوماسياً رفيعاً؛ فهو ليس مجرد طريق، بل إعلان هادئ عن مرحلة جديدة من تعزيز الثقة، وتوسيع التعاون الأمني والاقتصادي، وترسيخ الاستقرار في منطقة الساحل والصحراء التي تواجه اليوم تحديات مركّبة.
وإلى جانب ذلك، يعيد المعبر للأقاليم الجنوبية للمغرب دورها الطبيعي كبوابة نحو إفريقيا، وممرّاً للتبادل الحضاري والاقتصادي. فهذه المناطق لم تكن يوماً أطرافاً أو هوامش، بل عقداً رابطة في سلسلة الحركة التجارية والإنسانية التي عبرت الصحراء منذ قرون.
ختاماً، يمثّل معبر آمگالة رسالة استراتيجية بصياغة جغرافية: طريقٌ يفتح آفاقاً، ويرسّخ الشراكات، ويعيد الاعتبار لصلابة الروابط بين المغرب وموريتانيا. إنها خطوة تؤكد أن الصحراء ليست فراغاً، بل فضاءً يعيد تشكيل السياسة، ويمنح للدبلوماسية صوتاً يمر عبر الطرق كما يمر عبر الكلمات.
بقلم: سيداتي بيدا