ماروك24ميديا
في مجتمعٍ طالما عُدّ الزواج فيه رباطًا مقدّسًا وميثاقًا غليظًا، تتسارع اليوم ظاهرة التفكك الأسري لتفرض نفسها كجرس إنذارٍ مدوٍّ يهدّد بنية الأسرة واستقرار المجتمع. فالطلاق لم يعد مجرّد خلافٍ ينشب بين زوجين، بل تحوّل إلى ظاهرة اجتماعية يتردد صداها في كل بيت، كأنها ناقوس خطر يقرع في نعش الحياة الزوجية التي تترنّح تحت وطأة ضغوط العصر وتقلّباته.
تشير المؤشرات الحديثة إلى ارتفاعٍ مقلق في معدلات الطلاق خلال العقد الأخير، وهو ما يعكس عمق أزمةٍ تتجاوز حدود العلاقة الزوجية إلى دوائر أوسع؛ حيث يدفع الأطفال أولًا وأخيرًا ثمن هذا الانفصال بصدمةٍ نفسية قد تبقى آثارها لسنوات طويلة، فيما يفقد المجتمع جزءًا من تماسكه وفاعليته مع كل أسرة تتفكك.
ومن هنا تبرز الحاجة الملحّة إلى برامج تأهيلية موجَّهة للشباب المقبلين على الزواج؛ برامج لا تقتصر على الوعظ والإرشاد، بل تقدّم أدوات عملية ومهارات حياتية تساعد على بناء علاقة ناضجة قادرة على الصمود. إن الإعداد الجيد للزواج ليس ترفًا اجتماعيًا، بل ضرورة تنموية، فهو يهيّئ الأفراد لفهم متطلبات الحياة المشتركة، وإدارة الخلافات، وتبنّي لغة حوار راقية، تعزّز من روح الشراكة وتمنع الانزلاق إلى هوّة الانفصال.
فالطلاق، رغم كونه حدثًا فرديًا في جوهره، إلا أنه أشبه بكارثةٍ صغيرة تتشظّى آثارها في محيط الأسرة والمجتمع معًا. وما لم تُدعّم الأسرة ببرامج وقائية وسياسات مجتمعية رشيدة، فإننا سنجد أنفسنا أمام هدرٍ اجتماعي يطال الموارد البشرية والنفسية والقيمية في آن واحد.
إن وعي المجتمع اليوم أحوج ما يكون إلى ترسيخ ثقافة الزواج المسؤول بوصفه مشروع حياة، لا احتفالًا عابرًا. مشروع يتطلّب النضج، والحكمة، والصبر، والقدرة على احتواء الاختلاف قبل احتواء العاطفة. فكل استثمار في إعداد الشباب للزواج هو استثمار في استدامة الأسرة، وحماية الأجيال القادمة، وتعزيز بنية المجتمع.
وفي النهاية، يبقى الطلاق ناقوسًا لا يدع مجالًا للغفلة؛ تحذيرًا يوقظ الضمير الاجتماعي، ويذكّرنا بأن حماية الأسرة ليست خيارًا، بل واجبٌ يتشارك فيه الجميع؛ الدولة، والمجتمع، والفرد، حفاظًا على هذا الكيان الذي يشكّل اللبنة الأولى في صرح أي مجتمع متماسك وقوي.
بقلم: سيداتي بيدا