ماروك24ميديا
حين توقّفت الطائرة الجزائرية في مطار برلين، لم يكن المشهد مجرد عبورٍ دبلوماسي عابر، بل إعلاناً صامتاً عن نهاية فصلٍ وبداية آخر في سيرة الكلمة العربية وهي تواجه سلطتها. خرج بوعلام صنصال من السجن، لكنّه لم يخرج من دائرة المحاكمة. جسده غادر القضبان، غير أن فكرَه ظلّ ماثلاً في قفص السؤال الكبير: ما الذي يخيف الدول أكثر من وعي مواطنيها؟
ثمانون عاماً من التمرّد الرصين حوّلت صنصال إلى حالةٍ فكرية استثنائية، يتجاوز فيها الكاتبُ دورَ الراوي إلى مقام الشاهد. لم يكتب ليُصفّق له أحد، بل ليهزّ صمتاً تواطأ مع الخوف، وليكشف هشاشة اليقين في مجتمعاتٍ تخشى السؤال أكثر مما تخشى الحقيقة ذاتها. وحين أُدين بتهمة “تقويض الوحدة الوطنية”، أدرك أن المحاكمة لم تكن قانونية بقدر ما كانت وجودية: محاكمة للفكر وهو يجرؤ على مساءلة السلطة.
والمفارقة أن الوطن الذي سجنه، عاد فعفا عنه. غير أن العفو، مهما بدا رحيمًا، كان اعترافاً مؤجلاً بأن الكلمة لا تُحبس، وأن الجسد حين يشيخ لا يعني أن الفكرة هزمت. ألمانيا التي استقبلته مريضاً لم تحتضن شخصاً منفياً بقدر ما احتضنت رمزاً دفع ثمن صدقه، فيما أرسلت الجزائر عبره رسالةً مضمَرة: يمكن للدولة أن تسامح، لكنها لا تنسى من أيقظ فيها خوفها القديم.
في روايته «2084: نهاية العالم»، استشرف صنصال خطورة الفكرة حين تتحوّل إلى عقيدة مغلقة تقتل الاختلاف باسم الإيمان. واليوم، يعيش هو نفسه نبوءته؛ جسده يُصارع الوهن، بينما فكرُه يواصل معركته الأخيرة ضد أنظمةٍ ترى في الوعي خطراً وجودياً. لقد صار صنصال نصاً يمشي على قدمين، يروي بملامحه حكاية المثقف العربي الذي يُدان لأنه أحبّ وطنه بعقلٍ حرّ.
في غرفته البيضاء ببرلين، بين صمت الأجهزة وحنينٍ لا يهدأ، يعيد صنصال تأمل مشهده الأخير: وطنٌ يحاسبه على حبّه، وسلطةٌ ترتجف أمام مرآة الكلمة. هناك، يكتشف أن الحرية ليست شعاراً سياسياً، بل امتحانٌ أخلاقي يقيس مقدار ما تبقّى من إنسانية الأمم.
قد يرحل بوعلام صنصال، لكن ظله سيبقى قائماً كسؤالٍ لا يموت:
كيف لوطنٍ يخاف من كاتبه أن يدّعي القوة؟
لقد كتب الرجل بضعف جسده ما لم يجرؤ كثيرون على كتابته بأقلامهم: أن الكلمة قد تُسجن، لكنها لا تُكسر؛ وأن الحرية، قبل أن تكون حقاً، هي آخر كرامةٍ تليق بالإنسان وهو يودّع الحياة.
بقلم: سيداتي بيدا