ماروك24ميديا
في امتداد المسيرة الخضراء، لا تزال الصحراء المغربية تكتب فصولها الجديدة بإيقاعٍ من العزيمة والإبداع. فبين الرمال التي تختزن الذاكرة، والرياح التي تروي حكايات الجدات، تتجسد اليوم إرادة وطنٍ اختار أن يجعل من الصناعة التقليدية ومن روح التعاونيات منارةً للتنمية المستدامة.
وفي هذا الإطار، احتضنت غرفة الصناعة التقليدية لجهة العيون الساقية الحمراء معرضًا اقتصاديًا استثنائيًا دوليا بمدينة السمارة تخليدًا للذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء، خلال الفترة من 31 أكتوبر إلى 7 نونبر 2025. لم يكن هذا الحدث مجرد معرض للمنتوجات، بل مساحة رمزية يتقاطع فيها التاريخ بالمعاصرة، وتلتقي فيها قيم العمل الجماعي بروح الإبداع الأنثوي الصحراوي.
لقد شكّل المعرض مرآةً لوجهٍ جديد من وجوه التنمية بالمغرب؛ تنميةٍ تستمد قوتها من الإنسان، والمرأة على وجه الخصوص، باعتبارها ركيزة الفعل الاجتماعي والاقتصادي. وفي هذا السياق برزت تجربة تعاونية “لمسات نسائية” للأعشاب الطبية والعطرية، برئاسة السيدة حرية عبدي، كنموذجٍ يُجسّد التحوّل من الحلم الفردي إلى المشروع الجماعي، ومن الموروث الشعبي إلى الابتكار العلمي.
تأسست التعاونية سنة 2019 لتكون مختبرًا مفتوحًا يعيد الاعتبار للنباتات الصحراوية، فيحوّلها إلى منتجاتٍ تجمع بين العطر والعلاج، بين الأصالة والمعرفة. تعتمد التعاونية في عملها على مكونات طبيعية نادرة مثل الصمغ العربي، والبان الذكري، وسنام الجمل، والكركديه، وغيرها من النباتات التي تنمو في حضن الصحراء، حيث تتكامل قسوة الطبيعة مع سحرها.
لكن ما يميز هذه التجربة ليس فقط جودة منتجاتها، بل فلسفتها في العمل التعاوني؛ فهي ترى في كل مشروع نسائي فعلًا للتحرر المعرفي والتمكين الاقتصادي. ومن خلال مشاركاتها في المعارض والبرامج الوطنية والدولية، استطاعت أن تُحوّل الخبرة المحلية إلى رأسمالٍ رمزيٍّ يعزّز مكانة المرأة الصحراوية في المشهد التنموي الوطني.
لقد جاء المعرض بمثابة منبرٍ للاعتراف بالطاقات الكامنة في الأقاليم الجنوبية، ودعوةٍ مفتوحةٍ لإعادة تعريف التنمية من منظورٍ إنسانيٍّ يقوم على الابتكار والمواطنة والمشاركة. وفي كل ركنٍ من أركان المعرض، كانت “لمسات نسائية” تروي حكايةً من صبرٍ وتحدٍّ وجمال، تؤكد أن الاقتصاد التضامني ليس بديلاً مؤقتًا، بل هو مشروعٌ مجتمعي متجذر في القيم المغربية الأصيلة.
ومن قلب العيون، المدينة التي كانت نقطة انطلاق المسيرة الخضراء، تتواصل مسيرة أخرى مسيرة العطر والمعرفة والإصرار تقودها نساءٌ أثبتن أن التنمية ليست مجرد أرقامٍ ومؤشرات، بل ثقافة حياة تتنفسها الصحراء حين تلمسها انامل النساء
بقلم: سيداتي بيدا