ماروك24ميديا
هل نحن “جالية مغربية (عربية ) في بريطانيا”، أم “بريطانيون من أصول مغربية ( عربية)”؟ وأي التعبير يعكس حقيقتنا أكثر؟
تعد كلمة «الجالية» من أكثر المصطلحات تداولا عند الحديث عن المهاجرين والمقيمين خارج أوطانهم. ورغم شيوع استخدامها في الأوساط العربية، فإن هذه الكلمة تحمل في طياتها أبعادا لغوية واجتماعية وثقافية معقدة، تجعل معناها يتجاوز حدود الوصف الجغرافي إلى التعبير عن الهوية والانتماء، بل وأحيانا عن العلاقة بالمجتمع المضيف.
المعنى اللغوي والاجتماعي لكلمة الجالية
من الناحية اللغوية، تشتق كلمة الجالية من الفعل جلا أي «غادر أو خرج من مكانه». وتطلق على جماعة من الناس الذين يغادرون وطنهم الأصلي ويقيمون في بلد آخر، مع احتفاظهم بروابط تجمعهم من لغة أو ثقافة أو دين أو أصل مشترك. فحين نقول “الجالية العربية في بريطانيا”، فإننا نصف مجموعة من العرب الذين يقيمون هناك، ويجمعهم شعور بالانتماء إلى ثقافتهم الأصلية رغم تواجدهم في بيئة مختلفة.
أما من الناحية الاجتماعية، فـ«الجالية» غالبا ما تشير إلى مجموعة متماسكة تنظيميا وثقافيا، تسعى إلى المحافظة على هويتها الأصلية من خلال الأنشطة الاجتماعية والدينية والتعليمية. وهي تمثل في الوقت نفسه جسرا للتواصل بين الوطن الأم والمجتمع المضيف.
هل يمكن إطلاق كلمة الجالية على المهاجرين؟
يستخدم المصطلح عادة للإشارة إلى المهاجرين وأبنائهم الذين يعيشون في الخارج. فهو يعبر عن واقع الهجرة وعن حالة من الانتماء المزدوج بين بلد الأصل وبلد الإقامة. ومع ذلك، فإن دلالته ليست محايدة دائما، إذ قد تفهم أحيانا على أنها تعزل المهاجرين عن المجتمع الأكبر أو توحي بأنهم جماعة منفصلة تعيش على هامش الدولة المضيفة.
هل هناك جدل حول المصطلح في السياق البريطاني؟
في بريطانيا، يرفض كثير من أبناء الأصول العربية أو المهاجرة وصف أنفسهم بـ«الجالية». فمعظمهم ولدوا وتربوا هنا ويحملون الجنسية البريطانية، ويشاركون في مختلف مجالات الحياة العامة. بالنسبة لهم، مصطلح «الجالية» يوحي بأنهم ضيوف أو غرباء مؤقتون، بينما هم في الحقيقة جزء فاعل من المجتمع البريطاني.
من جهة أخرى، يرى هؤلاء أن استمرار استخدام الكلمة يكرس صورة العزلة أو الانفصال الثقافي، في حين يسعون إلى تعزيز قيم الاندماج والمواطنة المشتركة. ولهذا، يفضل كثيرون استخدام تعابير بديلة مثل:
• «المجتمع العربي البريطاني»
• أو «البريطانيون من أصول عربية»
هذه التعابير تبرز الانتماء المزدوج بطريقة أكثر توازنا، وتؤكد أن الهوية يمكن أن تكون متعددة ومفتوحة، لا متقوقة أو مغلقة.
البعد الهوياتي للمصطلح
المسألة في جوهرها ليست لغوية فحسب، بل هوِياتية أيضا. فالكلمة التي نستخدمها لوصف أنفسنا تعبر عن رؤيتنا لمكاننا في المجتمع. إن اعتبار أنفسنا «جالية» قد يعكس شعورا بالانفصال أو الحنين للوطن، بينما وصف أنفسنا بأننا «جزء من المجتمع البريطاني» يعبر عن تطور في الوعي بالانتماء والمواطنة، دون أن يعني بالضرورة التخلي عن الجذور الثقافية.ج
في النهاية، يمكن القول إن كلمة «الجالية» تحمل معاني متعددة تتأرجح بين الترابط والانتماء من جهة، والعزلة والاختلاف من جهة أخرى. وهي ليست كلمة خاطئة بحد ذاتها، لكنها تحتاج إلى استخدام واعٍ للسياق والمرحلة التاريخية. فبينما كانت مناسبة في فترات الهجرة الأولى، قد لا تعبر اليوم بدقة عن واقع أجيال جديدة ترى نفسها مواطنة بريطانية بهوية عربية متفتحة.
وهكذا، يصبح النقاش حول المصطلح جزءا من نقاش أوسع حول الهوية، والاندماج، والانتماء في عالم متعدد الثقافات.
✍️ سميرة ملوكي
لندن