متابعة/ماروك24ميديا
خلال تجوالي في مدينة الرباط، قادتني خطواتي نحو كاتدرائية “سان بيير” الشهيرة. معلم تاريخي يعود إلى بدايات القرن العشرين، تحفة معمارية تعكس طرازا أوروبيا بقلب العاصمة المغربية. كنت أبحث عن لحظة تأمل وسط هذا الصرح الذي يشبه حكايات الزمن، حيث الجدران تنطق، والنوافذ الملونة تهمس، والظلال تكتب صلوات صامتة على الأرض الباردة.
دخلت الكنيسة دون تردد. نسيت نفسي بين تفاصيل البناء: الأقواس، الزجاج، الأعمدة، والروح الهادئة التي تخترق قلب الزائر دون استئذان. شدتني امرأة تجلس بهدوء في أحد الأركان، تشعل شموعا مضيئة في صمت مطلق. طقس غريب بالنسبة لي، مغربية تقف وسط كنيسة أجنبية، لكن التعبد، على ما يبدو، لا يعترف بالحدود الجغرافية ولا الدينية. بحثت بعدها عن معنى هذا الطقس، فاكتشفت أن إضاءة الشموع في الكنائس رمز لطلب البركة، الدعاء، أو تذكر الأرواح الغائبة… صورة تقطع أنفاس الفكر قبل العاطفة.
لكن سرعان ما اصطدمت بجدار الواقع، حين طلب مني دفع مبلغ مالي إذا ما رغبت في استكشاف باقي أجزاء الكاتدرائية، خصوصا تلك التي تحوي الزخارف والممرات الأكثر عمقا. في البداية ظننتها مزحة، لكن الأمر كان جادا: هل أصبح التراث سلعة؟ هل تباع لحظة الإنصات لروح التاريخ؟ وهل تتحول المعرفة إلى امتياز طبقي؟
هذا الموقف أعاد لذاكرتي كنيستنا بمدينة الخميسات، التي تم إصلاحها وإعادة تأهيلها، لكنها لا تزال مغلقة! متى ستفتح؟ وكيف سيكون معمارها من الداخل؟ وهل ستكون فعلا مركبا ثقافيا كما يشاع؟ أم مجرد بناية أخرى نعيد طلاءها ونغلقها من جديد؟
ما نعيشه اليوم ليس فقط إهمالا لبعض للمآثر التاريخية، بل محوا تدريجيا لذاكرتنا الجمعية. نحن في حاجة ماسة لرد الاعتبار لكل المعالم التي تختزل سير الأجداد والأمكنة… نحتاج لفتح الكنائس والقصور والزوايا والمتاحف أمام المواطن البسيط، لا السياح فقط.
فمن حقنا كأبناء هذا الوطن أن نعرف تاريخه، أن نلمسه، ونسكنه للحظة.
– كم من بناية تم ترميمها ثم أقفلت إلى أجل غير مسمى؟ كم من معلم تاريخي صار وكرا للغبار بدلا من أن يكون منارة للمعرفة؟
– وهل نريد فعلا تربية جيل لا يعرف الفرق بين قصر تاريخي ومركز تجاري؟
– أين موقع الثقافة في سياساتنا العمومية؟
– ومن المستفيد من استمرار الجهل بتاريخ المملكة العريق؟
إنني أكتب هذا المقال بصفتي متطوعة، أكتب مجانا، بدافع العشق الصادق لكل ما هو حضاري وروحي وتاريخي. أعمل حاليا على إعداد ندوة حول الصحة النفسية، لأنني أومن أن التداوي لا يقتصر على الدواء، بل على الفن، الثقافة، والذاكرة.
لنعد التفكير في علاقتنا بتراثنا، فالتاريخ إذا أغلقناه لن يفتح الباب لأحد.
بقلم: لطيفة بنعاشير | داميا بنعاشير.
كاتبة متطوعة بالرغبة لا بالراتب – باحثة في أثر الفن والثقافة على التوازن النفسي.